محمد مستاوي .. سيرة شعرية متميزة خرجت من رحم الثقافة المغربية الأمازيغية
في منعرجات الحياة، ومن معين شلالها الدافق بالمتغيرات ، ارتوى محمد مستاوي وأنتج وأبدع ، حتى تحول إلى منبع ينضح بالشعر، وإلى سيرة متميزة تربت بين أحضان الثقافة المغربية الامازيغية .
سيرته الإبداعية، التي رسمتها تجربته الشعرية منذ سنة 1964، والتي تعكسها عدة دواوين وأشعار نسجت جلها بالأمازيغية، جعلته يغوص في تفاصيل الحياة اليومية المغربية، ويعيد صياغة بعض لحظاتها، دون أن يزيل عنه ذلك أفقه الإبداعي الواسع الذي يسائل الإنسان في كل مكان.
وإذا كان مستاوي ، المنحدر من بادية سوس ، يعد من فطاحلة الشعر المغربي الأمازيغي نظرا لغزارة وجودة إنتاجاته التي عرفت على نطاق واسع، فإن ما يميزه هو وعيه المبكر بأهمية التنوع والتلاقح والتفاعل، وهو شغف ظل يحكم حساسيته الإبداعية، التي أنتجت في يوم من الأيام، قصيدة مطولة تعانق فيها الأمازيغية شقيقتها العربية .
ويعتبر إنتاج قصيدة مكتوبة باللغتين العربية والأمازيغية، في أوائل تسعينيات القرن الماضي، بالنسبة لمستاوي تحديا معرفيا وإبداعيا محكوما بوعي ثقافي وفكري، مفاده أن غنى وقوة الثقافة المغربية تكمن في تنوعها وتعددها ، وهو ما عبر عنه صراحة في لحظة بوح ومكاشفة لوكالة المغرب العربي للأنباء .
وهذا الوعي لم يكن ليتشكل دون مراكمة تجربة كبيرة في الثقافة والحياة ، امتدت من تارودانت صوب مدن ومناطق مختلفة بحثا عن آفق مغاير في الكتابة والحياة .
وقبل هذا وذاك ، فإن محمد مستاوي ، الذي طوي 54 سنة من العطاء الشعري الذي غطى الكثير من المشاغل الاجتماعية والسياسية والثقافية ، ما يزال في أوج عطائه ، وهو ما حوله إلى شعلة متقدة تضيء سماء الإبداع المغربي، في كل الأزمنة، وليس فقط في اليوم العالمي للشعر( 21 مارس من لك سنة)، الذي يعد لحظة لتأمل الحال والمآل ، وتذوق جمال المعجم والصور والإيقاعات والرؤى التي خطتها أنامل شعراء من مختلق مناطق الكون .
وحسب صاحب ديوان " إسكراف "، فإن إسهاماته الشعرية، المحملة بالآلام والآمال، لم تبق حبرا على ورق بين دفات دواوينه، لأن حوالي 45 أغنية أمازيغية اعتمدت على كلمات من إنتاجاته ، خلال مراحل مختلفة من الزمن ، حيث تغنى بها عموري مبارك ومجموعة إزنزارن ، وغيرهم كثير .
ورغم مساهمات مستاوي ، بمعية كوكبة من الشعراء والكتاب والباحثين، في تجديد الكثير من مظاهر وملامح الثقافة المغربية الامازيغية ، فإنه ،كما يقول ، يظل مدينا لتجارب أحواش والروايس ومختلف الكتابات حول الثقافة الأمازيغية ، في تكوين شخصيته ، حيث تفاعل معها ، ومتح من معينها ، لكنها لم تشف " فضوله " المعرفي رغم أهميتها ، فاختار الهجرة نحو فضاءات أخرى من أجل مزيد من التلاقح والبحث .
وبالعودة إلى البدايات، فإن مستاوي ، الذي صدرت له أيضا ديواوين " أسايس " و" تاضصاد ئماطاون " و" مازاتنيت "، عانق أيضا مهنة التعليم لسنوات طوال حتى تقاعد بتاريخ رابع أبريل 2004 ، وهي المهنة التي قال عنها " إنها إنسانية ووطنية ومعنوية قبل أن تكون مادية " .
كما عانق العمل الجمعوي منذ سنة 1967 ، فضلا عن العمل الإعلامي حيث ينشط برامج بمجموعة من الإذاعات . وهذه الانشغالات كلها وفرت له أرضية متنوعة للكتابة والأبداع .
ورغم اختياره الأمازيغية لغة للكتابة الشعرية، فإنه يحرص بنفس المستوى على الكتابة بالعربية في مجالات أخرى ، لأنه متشبع بها " كتابة ونطقا وذوقا " ، كما جاء على لسان الباحث أحمد بزيد الكنساني في مداخلة نشرت بكتاب حول تكريم مستاوي على هامش مهرجان ( تيميتار )، صدر مؤخرا ضمن منشورات مجلة تاوسنا .
يعتبر مستاوي الكتابة الإبداعية عشقه الأبدي الذي لا حدود له ، كما يعتبر البادية خزانه الوجداني الذي يلازمه في وقت وحين ، وبين هذا وذاك تحضر شخصية إنسان متشبع بالعنفوان والقيم النبيلة والعمل اليومي الميداني .