موسم أصيلة الثقافي الدولي 29 … خيمة الإبداع تكرم المفكر محمد سبيلا

0 681

ومع- تحت شعار “محمد سبيلا .. الدرس الفلسفي وسؤال الحداثة”، خصصت خيمة الإبداع في إطار جامعة المعتمد بن عباد الصيفية في دورتها الثانية والثلاثين ،أمس الأحد بأصيلة، تكريما لهذا المفكر المغربي تقديرا لعقود من العطاء الفكري المتواصل وتأصيل الدرس الفلسفي في المغرب، وذلك بمشاركة عدد من المفكرين والأكاديميين وطلبة المحتفى به.

وفي كلمة لمنسق هذه الندوة التكريمية، قال الناقد والباحث شرف الدين ماجدولين، الأستاذ بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، إن محمد سبيلا ينتمي إلى رعيل من المفكرين والأكاديميين الذين ارتبطت لديهم الثقافة والفكر بالنضال ومن أجل التحرر والتحديث والديموقراطية وتحقيق نهضة وطنية شاملة، وممن بحثوا في كتاباتهم الفكرية عن آفاق الحداثة والدفاع عن ثوابتها.

وتحت عنوان “الحداثة ومسألة الما بعد”، حلل الكاتب والمفكر عبد السلام بن عبد العالي مسألة التحديد الزمني للحداثة في الفكر الغربي ،الفرنكفوني منه والأنغلوسكسوني، ليخلص إلى أن “الحداثة تحديث متواصل ، إنها ما تفتأ تجاوز ذاتها، وهي حركة تاريخية غير راضية عن نفسها” مشيرا إلى أن “ما يميزها في مختلف أبعادها هو هذا التنكر للذات (..) وهذا السعي إلى التضاد وإلى عدم الرصا والانفصال اللامتناهي”. وقال إن “الحداثة مابعدية على الدوام”.

وقال الأستاذ الجامعي محمد نور الدين أفاية، من جانبه، إن محمد سبيلا كائن متعدد لا يمكن اختزاله في تصنيف واحد، موضحا أنه أستاذ خبر العملية التعليمية ، وفاعل سياسي محنك، وفاعل مدني ، ومثقف طلائعي ، وباحث ومؤلف، انشغل بالدرس الفلسفي ، ومترجم من الطراز الرفيع ، مضيفا أن سبيلا اهتم منذ الستينات بالخصوص بموقع التفكير في الممارسات الثقافية .

وفي مداخلة بعنوان “جدلية الحداثة والتقليد في فكر محمد سبيلا”، أبرز محمد الشيخ ، الأستاذ الباحث في الفلسفة المعاصرة، استعارة محمد سبيلا بمفهوم (البنية) أو مفهوم (المنطومة) لتحديد قطبي التقليد والحداثة، واستعارته مفهوم (الدينامية) لتوضيح حقيقة كل منهما ،وتحليله طرائق النظر إلى الصلة بين التقليد والحداثة سلبا وإيجابا، مستعرضا آليات الصراع بين القطبين واستراتيجياته (المؤامرة، التسوية، التلبس ، التشذيب ….).

وقدم عادل حدجامي الباحث في الفلسفة المعاصرة نصا بعنوان “ثلاثة أسماء ممكنة لقدر واحد”، قسمه إلى ثلاث خطوات أو ممكنات تتمثل في “إسم ما كان” متحدثا عن سبيلا ابن جيله الذي يحمل إسمه الوطن وهو جيل سياسي بامتياز هدفه إثباث ذاته في وجه الاستعمار، و”ما هو كائن” متحدثا عن المسحة الأبوية والحميمية في سلوك محمد سبيلا، وميله الفطري للانتصار للناس، وصفة الجود لديه ماديا وقيميا، و”ما سيكون” متحدثا عن انحدار المحتفى به من أبوين من سوس الأدنى ومن سهول الشاوية. وتحت عنوان “محمد سبيلا الواقف دوما ، ” قدم أحمد شراك، الأستاذ الباحث في علم الاجتماع، شهادة عن أستاذه سنة 1974 بكلية الآداب ظهر المهراز بفاس ، و تعامله الراقي مع الطلبة ، وعن المثقف العضوي الذي لا يطيق أبدا أن يكون جزءا من الجوقة ، و لا الجبة السياسية الضيقة، وعن الرجل المنفتح والمسالم الذي لا يتحزب بالضرورة لقبيلته السياسية. وشكل (المثقف وسؤال الحداثة عند محمد سبيلا) موضوع مداخلة عبد المجيد الجهاد، الأستاذ الباحث في الفلسفة المعاصرة، الذي حلل مفهوم المثقف ودوره وصعود المثقف الملتزم وسقوطه، ونهاية المثقف الداعية وميلاد المثقف النقدي، وعلاقة المثقف بالسلطة والمجتمع، معتبرا أن “ما أصبحنا نفتقده قي واقعنا الفكري والثقافي اليوم” هو “اجتراح طريقة للتفكير ، أو بصوغ إشكالية فكرية ، أو ابتكار أدوات مفهومية ، أو ابتداع ممارسات فكرية تتيح إدارة الأفكار على نحو يجعلها أكثر واقعية وفاعلية” .

وعزا الروائي التونسي حسونة المصباحي ، في مداخلة بعنوان “تنوير غائب وحداثة معطوبة”، “حالة الركود والجمود التي يعيشها العالم العربي إلى فشل جميع محاولات التنوير وبقائها عاجزة عن إزاحة الظلمات المتراكمة على مدى قرون طويلة من الانحطاط والتخلف وولادة حداثة (هجينة) – حسب تعبير محمد سبيلا- ومعطوبة وعرجاء وغائمة في مفاهيمها”. وفي الجلسة المسائية لهذه الندوة التكريمية، قال الروائي والمفكر مبارك ربيع إن ما تغير بصديقه محمد سبيلا بعد زمن من معرفته القريبة والبعيدة به يعزى إلى قمة النضج إذ أضحى الآن “يمثل مدرسة ، لا مجرد مرجعية لا غنى عنها، في تناول مفهوم الحداثة وتياراتها بأبعادها ومظاهرها المختلفة”، أما ما لم يتغير فهو “خاصية التتبع والاستيعاب ، سواء فيما يخص أحداث المجتمع والعالم من جوله، أو في ما في مجال الفكر من قضايا ومستجدات”. وفي مداخلة بعنوان “محمد سبيلا .. من أجل وعي فلسفي بالحداثة”، تحدث عبد العالي معزوز ،الأستاذ الباحث في الفلسفة والجماليات، عن سعي الحداثة للإحاطة بالركائز الفلسفية لهذه الظاهرة التي اجتاحت العالم ، وعن اهتمام سبيلا بسؤال الإيديولوجيا باعتبارها مفتاحا لفهم الحداثة والواقع والمجتمع، وباللاشعور، وكذا اهتمامه بالفيلسوف مارتن هايدغر وبمفكرين آخرين استقى منهم أدواته التحليلية (بورديو، بودريار، فوكو، بالاندي…).

وعقد محمد الشيكر، الأستاذ في الفلسفة والجماليات، مقارنة بين محمد سبيلا والمفكر الإيراني داريوش شايغان الذي “لم يفد إلى الحداثة إلا بعد أن، أسرته خرائط الإشراق وطوحت به مغامرات اللاهوت العرفاني الشيعي ، حيث انتسب بداءة إلى مايعرف بأصحاب التأويل وهي حلقة مناظرات فكرية” كان قطباها هما الإيراني محمد حسين الطبطبائي والفرنسي هنري كوربان، موضوعها العرفان والتجارب الروحية والفلسفية. وتحت عنوان “الرؤية الكلية والمنزع النقدي في الفكر الفلسفي لمحمد سبيلا” ، قدم الأكاديمي عبد السلام الطويل مداخلة شددت ميزة انفتاح المحتفى به على العلوم الإنسانية كافة، ودعوته ليس فقط للتحديث السياسي ولكن أيضا الفكري والثقافي ، واشتغاله على تحديد المفاهيم الأساسية الثلاث (الإيديولوجيا والحداثة والعولمة) ، وكذا رؤيته للظواهر الاجتماعية في كليتها وتعقدها وتشكلها. وقال أستاذ السيميائيات محمد الداهي ، من جانبه، في دراسة معنونة ب”بلاغة (الحياة اليومية) في كتابات محمد سبيلا”أنه “رغم تعثر الحداثة وعسر ولادتها، يعتبرها محمد سبيلا قدرنا الذي لا مناص منه إن أردنا أن يكون لنا موضع قدم في المسار الكوني”، مشيرا إلى أن سبيلا “يحرص على جعل الفكر الفلسفي متماشيا مع الحركة الحياتية بالمزاوجة بين العمق والبساطة لمخاطبة أفق أوسع من المتلقين”. وفي تعقيب للمحتفى به ، قال إنه ينتمي إلى المدرسة الفلسفية الحداثية المغربية، وهي امتداد لفكر الحركة الوطنية، التي سعت للتحرر والتقدم والسعي للاندماج في العالم، والتي تميزت بالكثير من العقلانية وأحيانا بالراديكالية، مشيرا إلى أنها تشكل حاليا المدرسة الكبرى في العالم العربي إلى جانب المدرسة التونسية.

وأضاف المفكر المغربي أنه كان هناك انخراط قي الحداثة منذ دخول الاستعمار لكن الجديد هو محاولة التملك الفكري للحداثة واستخدامها في مساءلة الذات الإقليمية والقومية ومساءلة الآخر، مشيرا إلى أن النظرة التحقيبية للحداثة أمر غير مقبول إذ أن الحداثة تخط وتجاوز وتجديد لا يتوقف ومساءلة لذاتها.

وأكد محمد سبيلا أن مسار الحداثة في المغرب ليس مسارا خطيا واضحا وبسيطا، ولكنه عملية معقدة في تعرجاتها وتحايلاتها وتباطؤاتها وتوجد في حالة صراع دائم مع التقليد يكتنفه التعايش والمواجهة والتحايل وغيرها، مشددا على أنه إذ كانت مستويات التحديث متعددة، فإن الحداثة واحدة تدخل في إطار العقلنة الشاملة للعالم . وكان محمد بن عيسي رئيس جماعة أصيلة وأمين عام مؤسسة منتدى أصيلة رأى، في كلمة افتتاحية ، في الاحتفاء بالمنجز الفكري العميق لمحمد سبيلا “تكريما للدرس والبحث الفلسفي في المغرب ، وذلك اعتبارا لموقعه المميز بين صفوة باحثين عملوا على ترسيخ الفكر الفلسفي في البيئة الثقافية والأكاديمية المغربية”، مستحضرا العميد المؤسس محمد عزيز الحبابي الذي راهن على عدد من طلابه الأذكياء ومن بينهم محمد سبيلا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.