الدكتور محمد محاسن يكتب: *حين يتحول الفيتو إلى فرصة استراتيجية (1/2)*
*المينورسو والأمانة العامة للأمم المتحدة: أزمة الحياد وحدود* *النجاعة المؤسسية*
*من إخفاق آلية التسوية إلى مساءلة الوساطة الأممية*
من باريس بتاريخ 03 نونبر 2026
*تلخيصا*
أتناول في الجزء الأول من هذا المقال، التداعيات السياسية والمؤسسية لانتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو) في 31 أكتوبر 2026، في ضوء البيان الصادر باسم الأمين العام للأمم المتحدة في فاتح نونبر من السنة نفسها. حيث أناقش التباين بين استمرار بعض الصيغ التقليدية في الخطاب الأممي والتحول الذي أحدثه قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، بجعله المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع. كما أتناول حدود الحياد المؤسسي ومسؤوليات الفاعلين الإقليميين وإشكالية استمرار بعثة أممية بعد تعثر تحقيق الغاية الأساسية التي أُنشئت في سياقها. كما أنني أحرص على التمييز بين شرعية الأمم المتحدة بوصفها منظمة دولية ونجاعة أجهزتها وآلياتها التنفيذية، مبرزاً أن مساءلة الأداء الأممي لا تتعارض مع التشبث بالمسار الأممي والتسوية السلمية للنزاعات. إن هذا التحليل يمهد لجزء ثانٍ يتناول كيفية تحويل المغرب انسداد مجلس الأمن إلى فرصة استراتيجية، في ضوء مفهومي الكَايروس والميتيس.
*الكلمات المفاتيح* : الصحراء المغربية؛ المينورسو؛ الأمانة العامة للأمم المتحدة؛ القرار 2797؛ الحياد المؤسسي؛ النجاعة التنفيذية؛ الوساطة الدولية؛ الحكامة الأممية؛ القيادة الاستراتيجية.
*توطئة: حين تتحول آلية التسوية إلى موضوع للمساءلة*
ليس من اليسير تقبل استمرار بعثة أممية خمسة وثلاثين عاماً دون أن تحقق الغاية السياسية الأساسية التي أُنشئت في سياقها، ثم تنتهي ولايتها دون أن يكون ذلك مدخلاً إلى مساءلة عميقة لطبيعة المهمة التي اضطلعت بها، وللمنهج الذي حكم إدارة النزاع طوال هذه المدة.
فالمؤسسات الدولية، مهما بلغت مكانتها وسمت مقاصدها، لا تستمد مصداقية أدائها من مجرد استمرار وجودها، وإنما من قدرتها على تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، والتكيف مع التحولات السياسية والميدانية، والمحافظة على مقتضيات الحياد والموضوعية.
فمن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى انتهاء ولاية بعثة المينورسو في 31 أكتوبر 2026 بوصفه مجرد حدث إداري أو نتيجة إجرائية لتعذر التوافق داخل مجلس الأمن. إنه منعطف يستدعي مساءلة تجربة أممية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، شهدت خلالها قضية الصحراء المغربية تحولات عميقة في موازين القوى والمواقف الدولية، بينما ظلت آليات تدبير النزاع محكومة، في جوانب منها، بمرجعيات تعود إلى ظروف نشأتها.
لقد اكتسب هذا التساؤل كامل مشروعيته عقب البيان الصادر باسم الأمين العام للأمم المتحدة في فاتح نونبر 2026، الذي أعاد تقديم المينورسو من خلال صياغة تركز على حماية سكان الصحراء وخدمتهم وتمكينهم من ممارسة حقهم في تقرير المصير.
إن الإشكالية لا تكمن في استحضار مبدأ تقرير المصير في حد ذاته، فهو مبدأ حاضر في المرجعية الأممية، وإنما في الطريقة التي يُوظف بها لتوصيف مهمة بعثة انتهت ولايتها، وفي مدى مراعاة هذا التوصيف للتحولات التي طرأت على المرجعية السياسية للحل.
فقد شكل القرار 2797، الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، تطوراً مهماً عندما جعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، معتبراً أن الحكم الذاتي الحقيقي قد يمثل أحد أكثر المخرجات قابلية للتحقق.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز الحالة المغربية إلى إشكالية أوسع في حكامة المنظمات الدولية: هل تستطيع مؤسسة دولية أن تحافظ على مصداقية وساطتها عندما تستمر في استحضار المرجعيات القديمة دون أن تعكس، بما يكفي من الوضوح، التحولات التي أقرتها أجهزتها المختصة؟
إن الإجابة تقتضي التمييز بين الشرعية المؤسسية للأمم المتحدة، التي لا خلاف حول أهميتها في تنظيم العلاقات الدولية، وبين نجاعة أجهزتها التنفيذية وآلياتها الميدانية، التي تظل خاضعة للتقييم والمساءلة.
*أولاً: البيان الأممي وإشكالية إعادة تعريف مهمة المينورسو*
أثار البيان الصادر في فاتح نونبر 2026 باسم الأمين العام للأمم المتحدة تساؤلات جدية بشأن طبيعة الخطاب الذي تعتمده الأمانة العامة في تناول قضية الصحراء. ففي فقرته الرابعة، قدم البيان المينورسو باعتبارها أُنشئت لحماية سكان الصحراء وخدمتهم، ولا سيما تمكينهم من ممارسة حقهم غير القابل للتصرف في تقرير المصير.
إنها صياغة تستدعي قراءة متأنية، ليس فقط لما تتضمنه، وإنما أيضاً لما قد توحي به من إعادة ترتيب للأولويات التي حكمت إنشاء البعثة. فالقرار 690 الصادر سنة 1991 أُنشئت بموجبه المينورسو في إطار خطة تسوية محددة، تضمنت مراقبة وقف إطلاق النار، والمساهمة في تنفيذ الترتيبات المرتبطة بتحديد الهيئة الناخبة، والتحضير لاستفتاء كان يفترض أن يتيح الاختيار بين الاستقلال والاندماج مع المغرب. كما ارتبطت خطة التسوية بترتيبات إنسانية وسياسية موازية، شملت قضايا الأسرى والمعتقلين واللاجئين.
ومن ثم، فإن البعثة لم تُنشأ بوصفها جهازاً مستقلاً لتمثيل جماعة سياسية أو للدفاع عن مشروع انفصالي، وإنما باعتبارها آلية أممية لتنفيذ خطة تسوية وافقت عليها الأطراف المعنية في سياق تاريخي محدد.
صحيح أن تقرير المصير كان جزءاً من تلك الخطة، غير أن اختزال مهمة البعثة في حماية السكان وخدمتهم قد يفضي إلى إغفال طبيعتها المؤسسية والتقنية، بل وإلى إضفاء معنى سياسي على وظيفة يفترض أن تظل محكومة بالتفويض الممنوح لها.
إن هذا الاعتراض لا يتعلق بمجرد اختلاف لغوي حول المصطلحات. فاللغة التي تعتمدها المؤسسات الدولية ليست محايدة في آثارها دائماً؛ إذ تسهم في تشكيل التصورات، وتحديد مواقع الفاعلين، وإضفاء المشروعية الرمزية على بعض القراءات السياسية دون غيرها.
ويزداد هذا الإشكال حساسية عندما يصدر الخطاب عن الأمانة العامة للأمم المتحدة، التي يفترض أن تلتزم بالدقة في توصيف المهام الموكولة إلى الأجهزة التابعة للمنظمة. فبين التذكير بالمبادئ العامة التي تؤطر عمل الأمم المتحدة، وبين إعادة تقديم مهمة محددة في ضوء تلك المبادئ، مسافة ينبغي ألا تضيع فيها الحدود الفاصلة بين التفويض القانوني والتفسير السياسي.
*ثانياً: القرار 2797 والتحول في المرجعية السياسية للنزاع*
إن تقييم بيان فاتح نونبر لا يتأتى بمعزل عن القرار 2797 الذي اعتمده مجلس الأمن قبل سنة واحدة. وهو القرار الذي أحدث تحولاً مهماً في مقاربة التسوية، عندما جعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، ودعا إلى الانخراط في مناقشات دون شروط مسبقة، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي وعادل ودائم ومقبول بصورة متبادلة. كما أقر بأن الحكم الذاتي الحقيقي قد يمثل أحد أكثر المخرجات قابلية للتحقق. فذلك لا يعني أن القرار أعلن انتهاء النزاع، أو حسم بصورة نهائية جميع أبعاده القانونية والسياسية، لكنه نقل مركز الثقل التفاوضي نحو مقترح محدد، وأضفى عليه مكانة لم تكن بالوضوح نفسه في المراحل السابقة. إنه تحول لا ينبغي التقليل من أهميته. ذلك أن المقترح المغربي للحكم الذاتي لم يعد مجرد مبادرة وطنية تعرضها المملكة على المجتمع الدولي، بل أصبح أساساً صريحاً للمفاوضات وفق منطوق القرار. ومن هنا، فإن استمرار الخطاب الأممي في استحضار المرجعيات القديمة دون إبراز هذا التطور بالقدر الكافي يطرح إشكالية اتساق مؤسسي.
فالأمانة العامة مطالبة باحترام قرارات مجلس الأمن في مجموعها، وبالتعامل مع تطورها بوصفه جزءاً من المرجعية التي تحكم مساعيها. ولا يكفي، في هذا السياق، التمسك بمبدأ تقرير المصير بمعزل عن الآليات السياسية التي بات مجلس الأمن يدعو إلى اعتمادها للوصول إلى تسوية. كما لا يجوز، في المقابل، اعتبار القرار 2797 إلغاءً لذلك المبدأ، لأنه حافظ عليه ضمن صياغة الحل السياسي المنشود. إن المسألة الحقيقية تتعلق بكيفية التوفيق بين المبادئ القانونية والمرجعيات السياسية المستجدة، لا بإقامة تعارض مصطنع بينها.
ومن هذا المنظور، كان المنتظر من الأمانة العامة أن تقدم قراءة تعكس بوضوح التطور الذي عرفته مقاربة مجلس الأمن، بدلاً من الاكتفاء بصيغ قد توحي باستمرار الوضع التفاوضي السابق دون تغيير جوهري. وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط الضعف في البيان: ليس بالضرورة فيما يقوله صراحة، وإنما فيما لا يمنحه المكانة التي يستحقها من التطورات السياسية والمؤسسية.
*ثالثاً: اختزال النزاع في طرفين وإشكالية المسؤوليات الإقليمية*
تثير الإشارة إلى طرفي النزاع في الخطاب الأممي إشكالية أخرى ترتبط بطبيعة التوصيف السياسي والقانوني للفاعلين المعنيين بقضية الصحراء.
فمن الناحية العسكرية، ارتبطت ترتيبات وقف إطلاق النار بالمغرب وجبهة البوليساريو، وهو ما يفسر استمرار استخدام هذا التوصيف في الوثائق المتعلقة بالبعثة. غير أن اختزال النزاع في هذين الطرفين لا يعكس وحده تعقيدات القضية ولا مجموع المسؤوليات الإقليمية المرتبطة باستمرارها. فالجزائر ليست مجرد دولة مجاورة تتابع تطورات الملف من موقع المراقب. إنها فاعل إقليمي رئيسي يحتضن قيادة البوليساريو ومخيمات تندوف، ويقدم للجبهة دعماً سياسياً ودبلوماسياً ولوجستيا، فضلاً عن حضورها المباشر في المسارات التشاورية التي رعتها الأمم المتحدة. كما أن موريتانيا تظل معنية بتداعيات النزاع على الأمن والاستقرار الإقليميين. ومن ثم، فإن الاقتصار على ثنائية المغرب والبوليساريو، دون إبراز الأدوار الإقليمية الأخرى، قد يفضي إلى اختزال مخل لطبيعة النزاع.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية السياسية عن استمرار الانسداد. فالتسوية لا تقتضي فقط التفاوض بين من يظهرون في مقدمة المواجهة، وإنما تستلزم أيضاً معالجة المصالح والحسابات الإقليمية التي تؤثر في مواقفهم وفي قدرتهم على الالتزام بأي اتفاق محتمل. فمن منظور المغرب، تظل الجزائر طرفاً محورياً في المعادلة السياسية، ولا يمكن تجاهل تأثيرها في مستقبل التسوية. لكن النقد المؤسسي الدقيق يقتضي التمييز بين أطراف وقف إطلاق النار والفاعلين المشاركين في العملية السياسية، وعدم افتراض أن جميعهم يتمتعون بالمركز القانوني نفسه.
فالمشكلة ليست في استخدام مصطلح «طرفي النزاع» عندما يكون السياق عسكرياً محدداً، وإنما في تحوله إلى توصيف شامل يحجب مسؤوليات الفاعلين الآخرين. والوساطة التي تتجاهل تعقيدات البيئة الإقليمية تخاطر بمعالجة مظاهر النزاع دون النفاذ إلى العوامل التي تغذي استمراره.
*رابعاً: المينورسو بين انتهاء الوظيفة واستمرار المؤسسة*
تطرح تجربة المينورسو إشكالية مؤسسية تتجاوز قضية الصحراء، وتتعلق بمصير الآليات الدولية التي تستمر بعد أن تتغير الظروف التي أُنشئت في ظلها. فقد تأسست البعثة سنة 1991 لتنفيذ خطة تسوية كان الاستفتاء أحد عناصرها المركزية. غير أن ذلك الاستفتاء لم ينظم طوال خمسة وثلاثين عاماً، بينما شهدت القضية تحولات عميقة على المستويات السياسية والميدانية والدبلوماسية. وخلال هذه المدة، استمرت البعثة في أداء وظائف تتعلق بالمراقبة والاتصال والمساهمة في الحد من التوترات. كما أنه لا يصح إنكار أهمية هذه الوظائف لمجرد أن التسوية النهائية لم تتحقق. لكن الاعتراف بما أنجزته البعثة في بعض المجالات لا يعفي من مساءلة مدى نجاعة استمرارها في تحقيق الغاية السياسية الأساسية التي أُنشئت من أجلها. فثمة فرق جوهري بين المحافظة على الاستقرار النسبي وبين التقدم نحو تسوية نهائية. وقد تنجح مؤسسة في تدبير بعض مظاهر الأزمة، دون أن تنجح في معالجة أسبابها. بل قد يؤدي استمرارها، في ظروف معينة، إلى تكريس وضع تصبح فيه إدارة النزاع بديلاً عملياً عن حله.
وهنا تتجلى إحدى المفارقات المعروفة في حكامة المؤسسات الدولية: فقد تتحول الآلية المؤقتة، بفعل التمديد المتكرر، إلى حضور شبه دائم، دون أن يصاحب ذلك تقييم كافٍ لمدى ملاءمة وظائفها للواقع الجديد.
إن استمرار المؤسسة ليس معياراً كافياً للحكم على نجاحها. فالمؤسسة الناجعة هي التي تحقق أهدافها، أو تتكيف مع تغير الظروف، أو تفسح المجال لآليات أخرى عندما تصبح أكثر ملاءمة. ومن هذا المنظور، يكتسب عدم تجديد ولاية المينورسو دلالة تتجاوز انتهاء مهمة ميدانية.
إنه يفتح المجال لإعادة طرح السؤال الذي ظل مؤجلاً طوال سنوات: هل كانت البعثة، بصيغتها الموروثة، لا تزال الأداة الأنسب لمواكبة المسار السياسي؟
ويتعزز هذا السؤال في ضوء القرار 2797، الذي طلب مراجعة استراتيجية لمستقبل تفويض البعثة، مع مراعاة نتائج المفاوضات. فمجرد الدعوة إلى مراجعة استراتيجية يعكس إدراكاً مؤسسياً للحاجة إلى إعادة تقييم الوظيفة، بدلاً من التسليم باستمرارها دون مراجعة.
*خامساً: مخيمات تندوف وحدود الشفافية والمساءلة الدولية*
لا تقتصر الأسئلة المرتبطة بالنجاعة الأممية على مهمة المينورسو، بل تمتد إلى قضايا إنسانية ومؤسسية ظلت حاضرة في مسار النزاع. وتحتل مخيمات تندوف موقعاً مركزياً في هذا النقاش. فقد أثيرت، على مدى سنوات، تساؤلات بشأن تدبير المساعدات الإنسانية الموجهة إلى المخيمات، وشفافية عمليات توزيعها، وإمكان التحقق المستقل من أعداد المستفيدين الفعليين. كما شكلت مسألة إحصاء سكان المخيمات وتحديد أوضاعهم القانونية والإنسانية إحدى القضايا التي ظلت محل خلاف. وهي أمور لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد عناصر في سجال سياسي بين الأطراف. نظرا لارتباطها بحقوق أشخاص يعيشون في ظروف تستدعي الحماية الإنسانية والشفافية المؤسسية.
ومن ثم، فإن المطالبة بالمراقبة المستقلة للمساعدات، وبالتحقق من أوضاع المستفيدين، وبضمان حرية الاختيار والتنقل، ينبغي أن تكون جزءاً من أي مقاربة مسؤولة.
لقد أثارت تقارير رقابية أوروبية، من بينها أعمال ارتبطت بالمكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال، قضايا تتعلق بمخاطر تحويل المساعدات وسلامة آليات توزيعها. غير أن الاستناد إلى هذه التقارير يقتضي التمييز بين الاختلالات التي جرى توثيقها، والمسؤوليات الفردية أو المؤسسية التي تحتاج إلى إثبات مستقل. كما أن الادعاءات المتعلقة بالأصول الجغرافية أو القبلية لسكان المخيمات لا يجوز تحويلها إلى أحكام جماعية تنفي عنهم حقوقهم الإنسانية أو تفترض تجانسهم السياسي.
فالمساءلة الحقيقية لا تقوم على استبدال سردية أحادية بأخرى، وإنما على إخضاع جميع الادعاءات للفحص والتوثيق. وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الدولية في توفير المعطيات الدقيقة، وتعزيز الشفافية، وضمان عدم توظيف المساعدات الإنسانية في خدمة حسابات سياسية. إن الحياد لا يعني الامتناع عن مساءلة الأطراف، بل يقتضي تطبيق معايير المساءلة نفسها على الجميع. وكلما تعذر التحقق المستقل من المعطيات الأساسية، ازدادت الحاجة إلى آليات رقابية تضمن حماية الأشخاص وصون مصداقية العمل الإنساني.
*سادساً: شرعية المنظمة الأممية ونجاعة أجهزتها التنفيذية*
قد يقود النقد الحاد لأداء بعض أجهزة الأمم المتحدة إلى انطباع مفاده أن التشكيك في نجاعة تلك الأجهزة يعني بالضرورة التشكيك في شرعية المنظمة الدولية نفسها. غير أن هذا الخلط يفتقر إلى الدقة المفاهيمية والمؤسسية. فثمة تمييز أساسي بين الشرعية التي تستمدها الأمم المتحدة من ميثاقها ومن الإرادة الجماعية للدول الأعضاء، وبين النجاعة التي يتعين أن تثبتها أجهزتها وآلياتها في ممارسة الاختصاصات الموكولة إليها. فالشرعية المؤسسية تحدد الأساس القانوني والسياسي لوجود المنظمة وممارسة اختصاصاتها. أما النجاعة التنفيذية فتتعلق بقدرتها على تحقيق أهدافها، واحترام حدود تفويضها، والتكيف مع المتغيرات، وتقديم نتائج تتناسب مع الموارد والوسائل الموضوعة رهن إشارتها. ومن ثم، فإن إخفاق بعثة أممية في تحقيق بعض أهدافها لا ينسحب تلقائياً على شرعية الأمم المتحدة. كما أن الاعتراف بشرعية المنظمة لا يفرض قبولاً غير مشروط بأداء جميع أجهزتها. بل إن المساءلة المؤسسية تمثل أحد الشروط الضرورية للمحافظة على مصداقية المؤسسات الدولية.
إن هذا التمييز يكتسب أهمية خاصة في ضوء الموقف المغربي الذي عبّر عنه بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب عدم تجديد ولاية المينورسو. فقد اقترن الإعلان عن نهاية مهمة البعثة بالتأكيد على تمسك المملكة بحفظ السلام وبالمسار الأممي. وليس في الجمع بين الموقفين أي تناقض. بل إنه يعكس تمييزاً واعياً بين الالتزام بالمؤسسة الدولية بوصفها إطاراً للتعاون وتسوية النزاعات، وبين الحق في تقييم أداء آلياتها والاعتراض على استمرارها عندما تتغير الظروف التي كانت تبرر وجودها. فالمغرب، وفق هذا المنظور، لا يرفض الوساطة الأممية من حيث المبدأ، وإنما يعيد النظر في جدوى آلية محددة لم تعد، في تقديره، تستجيب للتحولات التي عرفها الملف. هذا الموقف يجد تفسيره في منطق القيادة الاستراتيجية التي لا تجعل من الوسائل غايات قائمة بذاتها. فالأدوات والمؤسسات إنما تستمد قيمتها العملية من قدرتها على خدمة الأهداف التي وُضعت لتحقيقها. وإذا تغيرت الظروف أو استنفذت الوسيلة وظائفها، فإن المحافظة عليها لمجرد استمرارها قد تتحول إلى عبء على الغاية نفسها.
لا أريد لهذا التحليل أن يُفهم باعتباره دعوة إلى إضعاف المؤسسات الدولية. بل على النقيض من ذلك، إن قوة الأمم المتحدة تتطلب أن تكون أجهزتها قادرة على المراجعة والتصحيح، وأن تظل خاضعة لمعايير واضحة في التقييم والمساءلة. كما أن الحفاظ على السلم والأمن الدوليين لا يتحقق بمجرد استمرار البعثات، وإنما بمدى إسهامها الفعلي في تهيئة شروط السلام المستدام.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: قد يكون إنهاء مهمة بعثة دولية، في ظروف معينة، أكثر انسجاماً مع أهداف المنظمة من استمرارها دون أفق سياسي واضح. فالغاية ليست المحافظة على الآلية، وإنما المحافظة على المقصد الذي أنشئت من أجله.
إن الشرعية تمنح المؤسسة أساس وجودها واختصاصها، أما النجاعة فتمنح أداءها المصداقية والاستحقاق. وبينهما تتحدد المسؤولية المؤسسية التي لا يجوز إعفاؤها من التقييم والمساءلة.
*عود على بدء: نهاية المينورسو أم نهاية مرحلة في تدبير النزاع؟*
إن انتهاء ولاية المينورسو في 31 أكتوبر 2026 لا يمثل، في حد ذاته، نهاية النزاع حول الصحراء المغربية، ولا يعني أن الأمم المتحدة فقدت اختصاصها في مواكبة الجهود الرامية إلى تسويته. لكنه يمثل نهاية مرحلة مؤسسية امتدت خمسة وثلاثين عاماً، ويتيح إعادة النظر في المنهج الذي حكم تدبير الملف طوال هذه المدة.
فقد أظهرت تجربة المينورسو حدود الآليات التي تستمر في أداء وظائف جزئية دون أن تحقق التسوية السياسية التي أُنشئت في سياقها. كما كشف البيان الأممي الصادر في فاتح نونبر عن استمرار إشكالات تتعلق بالتوصيف المؤسسي لمهمة البعثة، وبمدى انسجام الخطاب الأممي مع التطورات التي أقرتها قرارات مجلس الأمن. ذلك لا يعني أن كل اختلاف في تفسير المرجعيات القانونية يشكل دليلاً قاطعاً على الانحياز المتعمد. لكنه يبرر مساءلة الأمانة العامة بشأن اتساق خطابها، ودقة توصيفاتها، وقدرتها على استيعاب التحولات السياسية التي شهدها النزاع. إن الحياد المؤسسي لا يقاس بما تعلنه المنظمة عن نفسها، وإنما بما تعكسه ممارساتها من توازن وموضوعية ووفاء للتفويضات الممنوحة لها.
ومن هنا، فإن النقد الموجه إلى أداء الأمانة العامة لا ينبغي أن يتحول إلى رفض للمنظمة الدولية أو تقليل من أهمية دورها في حفظ السلام. بل إن التشبث بالمسار الأممي، كما أكده الموقف المغربي، يمكن أن يقترن بمطالبة مشروعة بإصلاح آلياته، وتقييم نجاعتها، وتجاوز ما لم يعد ملائماً منها. غير أن التطور الأبرز في أحداث أكتوبر 2026 لا يكمن في انتهاء مهمة البعثة وحده. فقد جاء هذا الانتهاء نتيجة انسداد داخل مجلس الأمن، بعدما اصطدمت مواقف القوى الكبرى وتعارضت حساباتها بشأن مستقبل المهمة الأممية. وكان من الممكن أن يشكل هذا الانسداد مجرد حلقة جديدة في مسلسل التعطيل الدبلوماسي.
لكن الموقف المغربي منح الحدث دلالة مختلفة، عندما تعامل مع عدم تجديد الولاية باعتباره فرصة لإعادة تحديد شروط إدارة النزاع. وهنا ننتقل من مساءلة النجاعة المؤسسية إلى مجال آخر من مجالات التحليل: مجال القيادة الاستراتيجية القادرة على إدراك اللحظة المناسبة وتحويل التناقضات إلى فرص.
فإذا كان هذا الجزء الأول قد انصب على تحليل حدود الوساطة الأممية وإشكالية استمرار آلياتها، فإن الجزء الثاني سيتناول الكيفية التي استطاعت بها الدبلوماسية المغربية توظيف انسداد مجلس الأمن، في ضوء مفهومي الكَايروس والميتيس. ذلك أن القيمة الاستراتيجية للأحداث لا تتحدد دائماً بما قصده الفاعلون الذين صنعوها، وإنما قد تتحدد بما يستطيع الآخرون استخلاصه من نتائجها وتحويله إلى إمكانات جديدة للفعل.
وهنا تبدأ قصة أخرى: قصة الانتقال من انتهاء مهمة أممية إلى اقتناص فرصة استراتيجية. يتبع …