✍🏼بقلم: _الكاتب الصحفي_
[*ذ.هشام الدكاني*]
في المغرب، قد يحتاج المواطن إلى سنوات من العمل الشاق كي يضمن تقاعدا هزيلا، وقد يقضي عمره كله في مطاردة حقه في الشغل والسكن والعلاج، بينما يكفي بعض أصحاب الكراسي أن يمروا من بوابة المسؤولية العليا حتى يصبحوا موضوع نقاش حول التعويضات والٱمتيازات وحقوق ما بعد مغادرة المنصب!
وإذا صح أن وزيرة التكوين المهني التي عُينت حديثا أُعفيت بعد أقل من يومين، فإن الواقعة تطرح سؤالا يتجاوز شخص الوزيرة إلى فلسفة تدبير المسؤولية العمومية في بلاد أنهك التفاوت الإجتماعي فيها جيوب المواطنين:
– ما الذي يستحقه المسؤول الذي لم تتح له، عمليا، فرصة كافية لمباشرة مهامه؟
– وما حدود التعويض المشروع عندما تكون مدة المسؤولية أقصر من عطلة نهاية الأسبوع؟
لسنا هنا بصدد التشكيك في شخص أو إصدار أحكام مسبقة بشأن حقوق مالية لم تحسم قانونيا، بل بصدد مساءلة منظومة الٱمتيازات العمومية:
– هل تمنح التعويضات تقديرا لمسؤولية أديت فعلا، أم تتحول، في بعض الحالات، إلى مكافأة مرتبطة بمجرد الجلوس على الكرسي؟
– وهل يعقل أن تناقش تعويضات المسؤولين بلغة الٱستحقاق والحقوق المكتسبة، بينما يطالب المواطن البسيط بالصبر والتقشف وشد الحزام كلما ٱرتفعت الأسعار وضاقت سبل العيش؟
إن الفصل السابع من الظهير الشريف رقم:[1.74.331] الصادر في [23 أبريل 1975]، المتعلق بوضعية أعضاء الحكومة، يطرح بدوره سؤالا بشأن التعويض الخاص عند ٱنتهاء المهام، غير أن تطبيق مقتضياته على حالة إعفاء بعد مدة وجيزة جدا يستوجب التحقق من النص المحين وشروط الإستفادة منه.. فلا يجوز تحويل النقاش الصحفي إلى حكم قانوني نهائي قبل ٱستكمال عناصره.
لكن، مجرد وجود نظام للتعويض عن ٱنتهاء المهام يفرض نقاشا عموميا حول فلسفته وحدوده ومدى تناسبه مع مدة ممارسة المسؤولية، خصوصا حين يتعلق الأمر بمال عمومي مصدره الضرائب التي يؤديها المواطنون.
والمشكلة لا تقف عند الوزراء، إنها تمتد إلى ملف معاشات المسؤولين والبرلمانيين، وإلى السؤال الذي ظل يؤرق الرأي العام:
– كيف يمكن تبرير ٱمتيازات تقاعدية خاصة لفئات تتحمل مسؤولية التشريع وتدبير الشأن العام، في بلد يعاني فيه متقاعدون من معاشات لا تكفي حتى لتغطية أبسط الحاجيات؟
– وكيف يمكن إقناع شاب عاطل بأن تكافؤ الفرص حقيقة ملموسة، بينما يرى أن الوصول إلى بعض مواقع القرار قد يفتح أبوابا مالية لا تشبه إطلاقا الأبواب التي يقف أمامها بقية المواطنين؟
وللدقة القانونية، لا بد من التمييز بين المعاش والتعويض عن ٱنتهاء المهام والراتب الشهري، فهذه حقوق مختلفة، ولا يصح القول إن جميع الوزراء والبرلمانيين يستفيدون تلقائيا من معاش مدى الحياة بالشروط نفسها.
كما أن معاشات البرلمانيين خضعت لنقاشات وإصلاحات قانونية، ولا يجوز التعامل مع وضعيتها بٱعتبارها نظاما موحدا وثابتا من دون الرجوع إلى النصوص الجاري بها العمل.
لكن هذا التدقيق لا يلغي جوهر السؤال السياسي والإجتماعي:
– هل ما زالت أنظمة الٱمتيازات حيث توجد، متناسبة مع واقع المغرب المعيشي ومع مبدأ المساواة في تحمل الأعباء والإستفادة من المال العام؟
المواطن المغربي لا يطالب بحرمان المسؤول من أجر عادل، ولا يدعو إلى أن تتحول الوظيفة العمومية إلى عمل تطوعي.
المسؤولية لها كلفة، وتتطلب كفاءة وٱستقلالية ووضوحا في الحقوق والواجبات، لكن الفارق كبير بين أجر مقابل عمل ومسؤولية، وبين ٱمتيازات قد تبدو منفصلة عن حجم الإنجاز الفعلي، أو عن المدة التي قضيت في المنصب، أو عن القدرة الحقيقية للمجتمع على تحملها.
فالموظف البسيط لا يحصل، لمجرد تعيينه في منصب، على حصانة من الفواتير، ولا يعفى من أقساط الكراء، ولا تتوقف أسعار المواد الأساسية عن الإرتفاع ٱحتراما لصفته المهنية، وإذا ٱنتهى عمله فقد يجد نفسه أمام شهور من البطالة أو معاش لا يسد الرمق.
أما المواطن الذي أفنى سنواته في القطاع الخاص، فقد يكتشف عند التقاعد أن الٱقتطاعات الطويلة لم تمنحه سوى دخل محدود، لا يوازي سنوات العمل ولا يضمن كرامة العيش.
هنا تحديدا تتجلى المفارقة: •حين يتعلق الأمر بالمواطن، تصبح الإمكانات المالية للدولة محدودة، ويصبح التقشف فضيلة وطنية، ويطلب من الجميع التضحية. •وحين يتعلق الأمر بٱمتيازات أصحاب القرار، يتحول النقاش فجأة إلى لغة الحقوق والمكتسبات والإستقرار المالي.
وكأن ميزانية الدولة دفتران:
✓دفتر تكتب فيه معاناة المواطنين بالحبر الأحمر.
✓ودفتر آخر تدون فيه ٱمتيازات المسؤولين بحبر لا ينفد!
والأكثر سخرية أن بعض المسؤولين قد يحتاجون إلى سنوات لإقناع المواطن بجدوى السياسات العمومية، بينما لا يحتاج نظام الٱمتيازات، في نظر المنتقدين، إلا إلى نص قانوني كي يثير سؤال العدالة الإجتماعية.
فالقانون، مهما كانت قوته، لا ينبغي أن يكون ستارا يمنع النقاش الديمقراطي حول عدالة القواعد التي ينظمها. شرعية النص لا تعني بالضرورة أن مضمونه بلغ أقصى درجات الإنصاف، كما أن ٱحترام الحقوق المكتسبة لا يمنع مراجعة الأنظمة المستقبلية عبر المساطر القانونية والمؤسساتية.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس التشهير بوزيرة أعفيت، ولا ٱفتراض حصولها على أموال لم يثبت صرفها، بل نشر المعطيات الرسمية المتعلقة بالتعويضات المستحقة في حالة الإعفاء، وبيان شروطها ومبالغها، وتوضيح ما إذا كانت مدة تولي المسؤولية تؤثر في الٱستحقاق.
والمطلوب كذلك فتح نقاش جدي حول أنظمة معاشات المسؤولين والبرلمانيين، ونشر بيانات واضحة بشأن كلفتها ومصادر تمويلها وشروط الإستفادة منها، بما يضمن حق المواطنين في معرفة كيفية تدبير المال العام.
فإذا كانت الدولة تطالب المواطن بالشفافية، فمن حق المواطن أن يطالب الدولة بالشفافية نفسها.
وإذا كان المسؤول يحاسب على أدائه، فمن المشروع أن يطرح سؤال التناسب بين ما يتقاضاه وما يؤديه، من دون مساس بالحقوق القانونية الثابتة أو ٱنتهاك لقرينة حسن النية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقة في المؤسسات ليس مجرد وجود تعويض أو معاش، بل شعور المواطن بأن قواعد الإنصاف لا تسري على الجميع بالدرجة نفسها، وأن التضحية واجب على الضعفاء، بينما الٱمتياز حق مكتسب لدى الأقوياء.
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بوزيرة غادرت منصبها سريعا، ولا ببرلماني أنهى ولايته، بل بصورة الدولة في أعين مواطنيها.
فالمناصب العمومية ليست تذاكر عبور إلى ٱمتيازات منفصلة عن الواقع الإجتماعي، بل مسؤوليات مؤقتة يفترض أن تخضع للمحاسبة والشفافية والتناسب.
ففي بلد ينتظر فيه المواطن سنوات كي يحصل على معاش يكفيه، من حقه أن يسأل:
– لماذا تقاس سنواته بالتعب والٱقتطاعات، بينما تقاس ٱمتيازات بعض المسؤولين بالنصوص والتعويضات؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق نجوابا واضحا، لا خطابا عن التضحية، ولا موعظة عن الصبر، ولا مطالبة جديدة للمواطن بشد الحزام… بينما يظل الحزام، عند بعض أصحاب القرار، آخر ما يمكن أن يفكروا في شده!