*حكومة الروسيكلاج… 32 وزيرا، فمن يدفع الفاتورة؟!* .

0 210

 

 

✍🏼بقلم: الكاتب الصحفي

[ذ.هشام الدكاني]

 

ٱنتهت الإنتخابات، وبدأ توزيع الحقائب، لكن السؤال الذي يفرض نفسه على المغاربة هو:

– هل صوت المواطنون من أجل تغيير واقعهم، أم من أجل تغيير ترتيب الكراسي داخل المشهد السياسي؟

 

بعد الٱستحقاق الإنتخابي، جاء تشكيل الحكومة الجديدة بتشكيلة تضم *32 عضوا*، لتُفتح من جديد أسئلة قديمة حول كلفة السلطة، وجدوى المناصب، والفارق بين الوعود التي تطلق قبل صناديق الٱقتراع والقرارات التي تتخذ بعد إغلاقها.

إن وصول *فاطمة الزهراء المنصوري* إلى رئاسة الحكومة يحمل دلالة سياسية وتاريخية، لكن قيمة أي سابقة لا تقاس برمزيتها وحدها، بل بما تحققه من تغيير في أسلوب التدبير وواقع المواطنين.

فالمغاربة لا ينتظرون تغيير الأسماء في واجهة السلطة بقدر ما ينتظرون تغييرا في قدرتهم على مواجهة الغلاء، وفي فرص الشغل المتاحة للشباب، وفي جودة المستشفيات والمدارس… أما إذا بقيت المعاناة على حالها، فلن تكفي كل عبارات التجديد لإقناعهم بأن مرحلة جديدة قد بدأت فعلا.

ولعل الرقم الأكثر إثارة للجدل في هذه التشكيلة هو (32 عضوا).

 

ففي بلد يواجه تحديات ٱجتماعية وٱقتصادية ثقيلة، يصبح من حق المواطن أن يسأل عن ضرورة هذا العدد، وعن كلفته المباشرة وغير المباشرة على المال العام، وعن المردودية التي ستبرر وجود كل حقيبة وزارية.

صحيح أن عدد الوزراء يختلف بين الدول، وأن تقليصه لا يضمن وحده النجاح، لكن الحكامة تقتضي أن يكون لكل منصب ٱختصاص واضح ونتائج قابلة للقياس.

فليس من المقبول أن يطلب من المواطن شد الحزام كلما ٱرتفعت كلفة المعيشة، بينما لا يفتح النقاش بالجدية نفسها حول حجم الجهاز الحكومي وكلفة تدبيره!

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد عدد الوزراء، بل بمنطق سياسي قد يجعل توزيع الحقائب جزءا من حسابات التوازنات الحزبية.

فحين تتقدم مفاوضات ٱقتسام المسؤوليات على وضوح البرنامج الحكومي، يصبح المواطن أمام مفارقة مزعجة:

«صوته مطلوب بقوة قبل الإنتخابات، أما بعد إعلان النتائج، فيتحول إلى متفرج ينتظر معرفة ما إذا كانت الوعود ستجد طريقها إلى التنفيذ أم ستضيع وسط الحسابات والتحالفات».

وتزداد هذه المفارقة وضوحا عندما تستمر بعض الوجوه في مواقع المسؤولية، أو تعود أسماء إلى الواجهة من جديد.

 

فالإستمرارية ليست عيبا في حد ذاتها، والخبرة قد تكون مكسبا، لكن إعادة تدوير المسؤولين دون حصيلة مقنعة تجعل الحديث عن التجديد شبيها بإعادة تسويق المنتج نفسه بغلاف مختلف.

وهنا تبرز دلالة (*الروسيكلاج*) السياسي:

تتغير الترتيبات، وتتوزع الحقائب، وترفع شعارات الإنطلاقة الجديدة، بينما يظل المواطن ينتظر جوابا عن سؤال بسيط:

– ماذا سيتغير في حياته؟

 

إن الإنتخابات ليست شيكا على بياض تمنحه الكتلة الناخبة للأحزاب، ولا تفويضا مفتوحا لتحويل المقاعد البرلمانية إلى أوراق تفاوض على المناصب.. إنها تعاقد سياسي يفترض أن يربط البرامج بالنتائج، والوعود بالمسؤولية، والأغلبية بالمحاسبة.

ومن هنا، فإن قوة الحكومة لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد مقاعدها أو بقدرتها على تدبير تحالفاتها، بل بمدى ٱحترامها للالتزامات التي قدمت للناخبين، وبقدرتها على تحويل الثقة الإنتخابية إلى تحسن ملموس في الخدمات وفرص العيش الكريم.

أما الناخب المغربي، فهو بدوره مدعو إلى تجاوز منطق التصويت العاطفي أو الشخصي أو القائم على الوعود الظرفية، ومحاسبة المنتخبين على حصيلتهم، لا على صورهم وشعاراتهم.

فلا يعقل أن يترك تقييم الأداء إلى الأيام الأخيرة من الولاية، ثم يعود الخطاب الإنتخابي نفسه ليطلب الثقة من جديد، وكأن الذاكرة السياسية للمواطن تبدأ مع كل حملة وتنتهي بإغلاق الصناديق.

 

إن الديمقراطية لا تختزل في يوم التصويت.. إنها ممارسة مستمرة تبدأ بٱختيار المرشحين وتنتهي بمساءلتهم عن كل وعد لم يتحقق وكل مسؤولية لم تؤد كما ينبغي.

وفي اللقاءات التي تمس الحياة اليومية، لن تنفع كثرة الحقائب ولا وفرة التصريحات في إخفاء أي تعثر، فالمواطن يريد مدرسة عمومية تضمن لأبنائه تعليما جيدا، ومستشفى يحفظ كرامته، وفرصة عمل لا تجعله رهينة الإنتظار، وسياسات تخفف ضغط الأسعار على أسرته.

كما أن الإستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 ينبغي أن يكون رافعة لتحسين البنيات والخدمات وخلق فرص الشغل، لا واجهة براقة تحجب التفاوتات الإجتماعية والمجالية أو تجعل الإنجاز يقاس بما يظهر في الصور أكثر مما يظهر في حياة الناس.

لذلك، لا ينبغي الحكم على الحكومة الجديدة بالفشل قبل أن تبدأ عملها، لكن لا يجوز أيضا منحها صك البراءة لمجرد الإعلان عن تشكيلتها.

المطلوب أهداف واضحة، وآجال محددة، ومؤشرات معلنة، ومساءلة حقيقية لكل وزير وحزب مشارك في الأغلبية.

فكل حقيبة يجب أن تبرر كلفتها، وكل وعد ينبغي أن يكون قابلا للقياس، وكل مسؤول مطالب بتقديم حصيلته للرأي العام، لا ٱنتظار ٱقتراب الإنتخابات المقبلة ليعيد تقديم نفسه في صورة المنقذ.

 

لقد ٱنتهت معركة الأصوات، وبدأ ٱمتحان النتائج، وإذا كانت الكراسي قد وزعت، فإن المسؤولية لا يجوز أن تتوزع إلى حد يضيع معه صاحب القرار.

فالمغاربة لا يحتاجون إلى 32 وزيرا يتقاسمون المناصب بقدر ما يحتاجون إلى حكومة تتقاسم بجدية مسؤولية الإصلاح.

فالمال العام ليس غنيمة حزبية، والمنصب الوزاري ليس جائزة ترضية، وصوت الناخب ليس ورقة تستعمل للوصول إلى السلطة ثم تطوى إلى موعد ٱنتخابي جديد.

وإذا كانت الحكومة تضم 32 عضوا، فمن حق المواطنين أن يسألوا عن مردودية كل واحد منهم، وأن يقارنوا بين كلفة المناصب وحصيلة الأداء.

 

في النهاية، ليست المشكلة في عدد الوزراء وحده، بل في أن تكون الحكومة كبيرة في مناصبها وصغيرة في نتائجها… فالإنتخابات لم تجر لكي تتغير الكراسي، بل لكي تتغير حياة الناس، وإذا بقيت معاناة المواطن أكبر من حصيلة الحكومة، فلن تنقذها كثرة الوزراء ولا بلاغات الإنجاز، لأن صندوق الإقتراع الذي يمنح الثقة قادر أيضا على أن يتحول، في الٱستحقاق التالي، إلى صندوق لمحاسبة الوعود التي لم تجد طريقها إلى الواقع.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.