*حين يجلس الماضي في الصف الأول… هل عادت سنوات الرصاص من الباب الخلفي؟*.

0 249

 

✍🏼 بقلم: _الكاتب الصحفي_
[*ذ.هشام الدكاني*]

ليس كل ما تلتقطه الكاميرات مجرد صورة، وليس كل ٱبتسامة في لقاء سياسي مجرد مجاملة بروتوكولية.
أحيانا تكون الصورة أقوى من ألف تصريح، لأنها تفتح أبوابا ظن المغاربة أن الزمن أغلقها، فإذا بها تفتح من جديد، وبهدوء شديد، وكأن شيئا لم يكن.

في الأول من أكتوبر 2026، وخلال مشاورات تشكيل الحكومة، ٱستقبلت رئيسة الحكومة المعيّنة *فاطمة الزهراء المنصوري* وفد حزب *الحركة الديمقراطية الإجتماعية* برئاسة أمينه العام *عبد الصمد عرشان*، وكان إلى جانبه والده *محمود عرشان*، عميد الشرطة السابق ومؤسس الحزب.
الواقعة موثقة، كما أن حضور الرجل أثار مباشرة ٱنتقادات حقوقية وإعلامية بسبب ما ٱرتبط بٱسمه من ٱتهامات بالمشاركة في ٱنتهاكات وتعذيب خلال سنوات الرصاص، ولا سيما في سياق معتقل *درب مولاي الشريف*.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية…
ليس السؤال:
– لماذا حضر محمود عرشان؟
فالرجل، من الناحية القانونية، مواطن له حقوقه السياسية، ولم يصدر بحقه، بحسب المعطيات المنشورة التي راجعتها، حكم جنائي يدينه في تلك الإتهامات.
كما أنه نفى ما نسب إليه من ٱنتهاكات.
السؤال الأخطر هو:
– ماذا تعني الصورة عندما يجلس رجل ٱرتبط ٱسمه في الذاكرة الحقوقية بسنوات الرصاص في مشاورات تشكيل حكومة يفترض أن تكون عنوانا لمغرب المؤسسات والحقوق والحريات؟

هنا لا يعود الأمر متعلقا بشخص واحد، وإنما بالرسالة التي يمكن أن تفهمها الضحايا، وعائلات المعتقلين السابقين، والحقوقيون، وكل من ظل يحمل في ذاكرته ندوب تلك المرحلة.
فهيئة الإنصاف والمصالحة نفسها جاءت في سياق معالجة ماضي الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وجبر الضرر وحفظ الذاكرة وعدم تكرار ما حدث.
ثم تأتي الصورة اليوم لتقول، في أبسط تأويلاتها:
«الماضي لم يمت… لقد اكتفى بتغيير الكرسي».
وهنا.. ٱسمحوا لي بشيء من (السخرية)، لأن بعض المشاهد لا تنفع معها لغة البيانات الرسمية.
يبدو أن السياسة المغربية ٱكتشفت أخيرا وصفة سحرية للعدالة الإنتقالية:
• لا حاجة إلى محاكمة الماضي… يكفي أن ندعوه إلى جلسة المشاورات!
• ولا حاجة إلى فتح الملفات القديمة… فربما يكفي أن نفتح لها باب قاعة الإجتماعات.
• ولا حاجة إلى المصالحة مع الذاكرة… فلعل الذاكرة نفسها تتعب من الإحتجاج وتذهب إلى بيتها!
لكن المشكلة أن الضحايا لا يملكون زر «حذف الصورة».
والذين عاشوا التعذيب لا يستطيعون أن يقولوا لذاكرتهم:
«عفوا، كان ذلك في زمن آخر».
إن جرح المعتقل السياسي لا يتحول إلى وردة لأن التقويم تغير، والجلاد المفترض أو المتهم في شهادات وملفات حقوقية، لا يتحول تلقائيا إلى رمز ديمقراطي بمجرد أن يرتدي بدلة سياسية.
وهنا أيضا يجب أن نكون منصفين:
• لا يجوز قانونا ولا مهنيا أن تتحول الإتهامات إلى أحكام قضائية نصدرها نحن من وراء الأقلام والمنابر.
• لكن لا يجوز في المقابل أن تتحول غياب الإدانة القضائية إلى ممحاة للذاكرة الجماعية.
فالفرق كبير بين البراءة القانونية وبين الجدل التاريخي والحقوقي.
والفرق أكبر بين أن يكون الشخص حرا في ممارسة حقوقه السياسية، وبين أن تكون الدولة مطالبة بحماية حساسية الذاكرة الوطنية وٱحترام مشاعر ضحايا الإنتهاكات.
ومن هنا يصبح السؤال موجها إلى رئيسة الحكومة المعينة، لا بقصد التشهير ولا المحاكمة السياسية، وإنما بقصد المساءلة الأخلاقية والسياسية:
– هل كان حضور محمود عرشان ضروريا في صورة المشاورات؟
– وهل كان بالإمكان ٱستقبال قيادة الحزب التي جاءت للتفاوض دون أن يتحول اللقاء إلى مشهد يعيد إلى الواجهة ٱسما شديد الإرتباط بمرحلة مؤلمة من تاريخ المغرب؟
ثم السؤال الأكبر:
– هل هو مجرد خطأ بروتوكولي؟
– أم قلة تجربة؟
– أم أن الرسالة أعمق من ذلك؟

لا أحد يستطيع أن يجيب عن النيات إلا أصحابها.
لكن السياسة لا تقرأ بالنوايا وحدها، تقرأ أيضا بالرموز، بالصور، وبمن يجلس إلى جانب من، وفي أي لحظة، وأمام أي كاميرا.
والأكثر إثارة للإنتباه أن الأمر يأتي في لحظة سياسية يقود فيها حزب *الأصالة والمعاصرة* الحكومة للمرة الأولى برئاسة *فاطمة الزهراء المنصوري*، وهو الحزب الذي تأسس سنة 2008، وتؤكد وثيقته الرسمية أنه جاء بهدف تجديد الحياة الحزبية، فيما ٱرتبط تاريخ تأسيسه منذ البداية بنقاش واسع حول طبيعة تركيبته وموقعه داخل المشهد السياسي المغربي.
وهنا تصبح الصورة أكبر من *محمود عرشان*.
إنها صورة عن سؤال مغربي قديم يتجدد:
– هل ٱنتهت فعلا مرحلة النخب الأمنية والسياسية المرتبطة بالماضي، أم أنها تعود إلى المشهد من نافذة جديدة؟

لا أملك جوابا قاطعا، ولا ينبغي لأحد أن يدعي ٱمتلاكه، لكن من حق المواطن أن يسأل…
ومن حق الضحية أن تتساءل…
ومن حق الصحافة أن تضع المرآة أمام السلطة وتقول لها:
ٱنتبهي… فبعض الصور لا تلتقط بالكاميرا فقط، بل تلتقط أيضا في ذاكرة الناس.
وإذا كانت الدولة قد ٱختارت منذ سنوات مسارا للمصالحة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة، فإن حماية هذا المسار تقتضي على الأقل ألا تتحول رموز الماضي المختلف حولها حقوقيا إلى مشاهد طبيعية في الواجهة السياسية، من دون تفسير أو حساسية أو ٱعتبار لما يمكن أن تتركه الصورة من أثر.

أما أن نقول إن الأمر كله مجرد «صدفة»، فذلك يشبه أن ندعو التاريخ إلى مأدبة، ثم نستغرب عندما يجلس إلى الطاولة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا تستطيع الصورة الإجابة عنه:
– هل نحن أمام مغرب جديد يطوي صفحة الماضي فعلا، أم أمام مغرب يعيد ترتيب الكراسي فقط؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن يعود أشخاص من الماضي إلى المشهد، وإنما أن تعود عقلية الماضي من دون أن يشعر أحد.
وحينها، قد يجد المواطن نفسه مضطرا إلى ترديد المثل المغربي الساخر:
«أولاد عبد الواحد كلهم واحد»…
وعندها فقط يمكن أن نقول، بسخرية مرة:
كملات الباهية… وخلاص!
ولك الله يـــا مغربي!.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.