*جمعية الآباء ليست ضريبة مدرسية!* .

0 315

✍🏼بقلم: [_ذ.هشام الدكاني_]

مع كل دخول مدرسي، يتكرر المشهد نفسه، وكأننا أمام طقس إداري لا يكتمل الموسم الدراسي بدونه:
«كتب، دفاتر، محافظ، لوازم مدرسية، مصاريف النقل…»، ثم يظهر فجأة مبلغ آخر يحمل ٱسما يبدو بريئا:
«واجب جمعية الآباء!»، وهنا يحق للأب والأم أن يسألا بكل وضوح:
– هل هذا واجب قانوني؟
– أم مساهمة جمعوية ٱختيارية؟
– وهل يمكن أن يتحول الإنخراط في جمعية مدنية إلى تذكرة عبور نحو مقعد التلميذ داخل القسم؟

الجواب القانوني يحتاج إلى شيء من الهدوء، لأن القانون لا يكتب بالحبر الأحمر ولا يفرض بالصوت المرتفع.
الظهير الشريف رقم: [1.58.376]، المتعلق بتنظيم حق تأسيس الجمعيات يقوم على مبدأ الحرية في تأسيس الجمعيات، وينص صراحة على أن العضو في الجمعية غير المحددة المدة يمكنه الإنسحاب منها في أي وقت، بعد أداء ما حل أجله من واجبات الإنخراط وواجبات السنة الجارية.
– وماذا يعني ذلك؟

يعني ببساطة أن الجمعية ليست إدارة عمومية، وليست مصلحة لٱستخلاص الرسوم المدرسية، وليست صندوقا إلزاميا يمر عبره كل أب وأم قبل أن يصل ٱبنه إلى مقعد الدراسة.
بل إن المرسوم رقم: [2.20.475]، الصادر في: 20 يوليوز 2021، جاء ليحدد قواعد ٱشتغال وأدوار ومهام جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ وعلاقتها بمؤسسات التربية والتكوين.
والمرسوم يجعل من مصلحة التلميذات والتلاميذ محورا لعمل هذه الجمعيات، ويؤطر علاقتها بالمؤسسات على أساس المشاركة والتعاون والشفافية، لا على أساس تحويلها إلى جهاز لتحصيل الأموال من الأسر.
وهنا تبدأ الحكاية الساخرة:
– إذا كان الإنخراط ٱختياريا، فمن أين جاءت فكرة (ادفع أولا) ثم سجل ٱبنك؟
– هل أصبح الدخول إلى المدرسة يمر من بوابة الجمعية؟
– هل أصبح مقعد التلميذ يحتاج إلى (تأشيرة مالية)؟
– وهل تحول ولي الأمر، الذي أنهكته أسعار الكتب واللوازم والنقل والدروس وكل أعباء الحياة، إلى (منخرط إجباري) في جمعية لم يختر الإنضمام إليها أصلا؟

إن المشكلة ليست في جمعية الآباء عندما تؤدي دورها الحقيقي، بل على العكس.. جمعية قوية، شفافة، مستقلة، منتخبة، تقدم حساباتها لمنخرطيها، وتدافع عن مصلحة التلميذ، هي مكسب حقيقي للمدرسة المغربية.
المشكلة تبدأ عندما يتحول العمل الجمعوي إلى مجرد عملية تحصيل مالي، أو عندما يختلط ٱختصاص الجمعية بٱختصاص المؤسسة التعليمية، أو عندما يشعر الأب بأن رفضه للٱنخراط قد يكلف ٱبنه حقه في التسجيل أو متابعة الدراسة.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
التسجيل المدرسي شيء، والإنخراط الجمعوي شيء آخر.
✓ الأول تحكمه القواعد والمساطر التربوية والإدارية للدولة.
✓ أما الثاني فهو علاقة جمعوية أساسها الإنخراط الإرادي.
والأخطر من ذلك هو ٱستعمال عبارات من قبيل «واجب الإنخراط» بطريقة توحي للأسرة بأنه رسم قانوني لا خيار لها في أدائه. حتى الهيئات الجمعوية الممثلة لجمعيات الآباء سبق أن شددت على أن الإنخراط ٱختياري وليس إلزاميا، وأن ٱستعمال عبارة «الإعفاء» قد يكون مضللا، لأن من لم ينخرط أصلا لا يحتاج إلى «إعفاء».
ولذلك، فإن المطلوب ليس إلغاء جمعيات الآباء، بل إعادة الإعتبار للعمل الجمعوي الحقيقي.

نريد جمعية تقول للأب:
«ٱنخرط لأنك مقتنع، وساهم لأنك تثق، وراقب لأن المال مالك ومال أبنائك».
لا جمعية تقول له، صراحة أو تلميحا:
«ادفع أولا، وبعدها نتحدث عن التسجيل».
والشفافية هنا ليست ترفا.
من حق المنخرط أن يعرف:
– كم جمع؟
– أين صرف؟
– من ٱستفاد؟
– وما هي الأنشطة التي أنجزت؟
– وما هي التقارير المالية والأدبية؟
– وما علاقة الجمعية بالمؤسسة التعليمية؟

أما أن تختزل الجمعية في ورقة، ومبلغ، وتوقيع، ثم تختفي بقية السنة الدراسية، فهذه ليست شراكة تربوية، إنها نسخة مشوهة من العمل الجمعوي.
ومن جهة أخرى، على الإدارات التعليمية أن تكون أكثر وضوحا وحزما، فوزارة التربية الوطنية نفسها تعتبر جمعيات الآباء شريكا أساسيا في المنظومة التربوية، وتؤكد على دورها في تتبع الحياة المدرسية ودعم الأنشطة والتواصل مع الأسر.
لكن الشراكة لا تعني الخلط بين الصلاحيات.
الجمعية شريك، وليست إدارة موازية.
والمدرسة فضاء عمومي للتربية والتعليم، وليست مكتبا لتحصيل مساهمات جمعية.
والأب ولي أمر تلميذ، وليس (زبونا) يدخل المدرسة ببطاقة أداء.
لذلك، فإن أي ولي أمر يطلب منه أداء مبلغ لفائدة جمعية الآباء، من حقه أن يسأل بكل أدب ووضوح:
هل هذا الإنخراط ٱختياري أم إلزامي؟
وإذا قيل له إنه إلزامي، فليطلب منه ببساطة:
– أين هو النص القانوني الذي يجعل أداء هذا المبلغ شرطا للتسجيل أو إعادة التسجيل؟
ففي دولة القانون، لا يكفي أن نقول:
«هكذا جرت العادة».
العادات لا تصنع القوانين، واللافتات المعلقة على أبواب المؤسسات لا تعلو على النصوص القانونية.
وإذا كان هناك خلط أو ضغط أو ربط فعلي بين أداء مساهمة جمعية الآباء وبين التسجيل أو إعادة التسجيل، فمن حق الأسرة أن تطلب توضيحا كتابيا، وأن تتوجه إلى إدارة المؤسسة، ثم إلى المديرية الإقليمية أو الأكاديمية الجهوية عند الٱقتضاء، مع الإحتفاظ بالوثائق والإيصالات وأي إعلان أو مراسلة تثبت الواقعة.

فالمدرسة المغربية تحتاج إلى جمعيات آباء قوية، لا إلى جمعيات آباء قوية على جيوب الآباء.
وتحتاج إلى شراكة حقيقية، لا إلى شراكة تبدأ بورقة ٱستخلاص وتنتهي عند باب المؤسسة.
أما التلميذ، فلا ينبغي أن يجد نفسه ذات صباح أمام معادلة عبثية:
«ٱدفع للجمعية… وإلا بقي حقك في المدرسة معلقا!».
فالتمدرس حق، والعمل الجمعوي ٱختيار، ولا يجوز أن نخلط بين الإثنين حتى يصبح المقعد الدراسي فاتورة، والجمعية صندوقا، والأب مجرد رقم في لائحة الأداء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.