انتخابات 2026… بين البهرجة الانتخابية وجدية البرنامج السياسي
من البهرجة الانتخابية إلى معركة البرامج… أين اختفى النقاش السياسي؟
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، يبدو أن المشهد السياسي المغربي يدخل مرحلة جديدة من التنافس، ليس فقط على الأصوات والمقاعد، وإنما أيضاً على الصورة التي تريد الأحزاب أن تقدم بها نفسها أمام الناخبين.
وبينما يفترض أن تكون الحملات الانتخابية مناسبة لعرض البرامج ومناقشة البدائل والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يبرز أحياناً وجه آخر للحملة، عنوانه الاستعراض والبهرجة والشعبوية، حيث تتحول بعض التجمعات والمناسبات الانتخابية إلى فضاءات للغناء والرقص والتقاط الصور، بما يجعل السؤال مشروعاً:
هل نحن أمام معركة برامج وأفكار، أم أمام منافسة في صناعة الصورة الانتخابية؟
لقد شاهد الرأي العام خلال هذه الحملة مشاهد لأمناء عامين وقيادات حزبية يشاركون في أجواء فنية وتراثية، من الغناء مع فرق كناوة، إلى الرقص على إيقاعات الدقة المراكشية، وصولاً إلى التفاعل مع أهازيج أحيدوس.
ولا يتعلق الأمر هنا برفض الفن أو التراث المغربي، وهما جزء أصيل من هوية المغاربة وثقافتهم، وإنما يتعلق بالسؤال عن المكان الذي ينبغي أن تحتله هذه المظاهر داخل الحملة الانتخابية، وهل يمكن أن تحل الصورة الاحتفالية محل النقاش حول التعليم والصحة والتشغيل والاقتصاد والعدالة الاجتماعية والإدارة والحكامة؟
فالانتخابات ليست مهرجاناً فنياً، والسياسة في جوهرها ليست مسابقة في الرقص والغناء، وإنما هي قبل كل شيء اختيار بين مشاريع وبرامج ورؤى لمستقبل البلاد.
والأكثر إثارة للانتباه أن بعض القوى السياسية التي كانت إلى الأمس القريب تلتقي داخل التحالفات الحكومية، أصبحت اليوم تتبادل الانتقادات والاتهامات، في مشهد يجعل المواطن يتساءل عن الحدود الفاصلة بين النقد السياسي المشروع وبين التصفية السياسية المتبادلة.
فالمنافسة الديمقراطية لا تحتاج إلى الخصومة الشخصية، بقدر ما تحتاج إلى اختلاف واضح حول البرامج والاختيارات.
حين يصبح «الكتاب» عنواناً للسياسة… ويصبح الرقص بديلاً عن البرنامج
وفي الجهة الأخرى من هذا المشهد، تقدم بعض أحزاب اليسار، وفي مقدمتها حزب التقدم والاشتراكية، صورة مختلفة للحملة الانتخابية، تقوم على محاولة استعادة السياسة إلى مجالها الطبيعي: الفكرة والبرنامج والنقاش العمومي.
ويقدم الحزب رمز الكتاب باعتباره عنواناً للعلم والمعرفة والفكر، وهي دلالة تتجاوز الرمز الانتخابي في حد ذاته إلى تصور يعتبر أن مستقبل المغرب لا يبنى بالفرجة، وإنما ببناء الإنسان والاستثمار في المعرفة والرأسمال البشري.
وفي هذا السياق، جاءت تدخلات الأمين العام للحزب نبيل بنعبد الله لتضع قضايا التعليم والصحة والرأسمال البشري والتقدم الاجتماعي في صلب الخطاب الانتخابي.
فالفكرة التي يكررها الحزب في خطابه واضحة: الإنسان هو الثروة الحقيقية للمغرب، والعلم والمعرفة هما الطريق إلى بناء المستقبل.
وهنا تكمن المفارقة.
بين حملة انتخابية تستثمر في الصورة والفرجة والأهازيج، وحملة أخرى تحاول أن تجعل من البرنامج السياسي محوراً للتواصل مع المواطن، يصبح الناخب أمام سؤال جوهري:
ماذا نريد من الانتخابات؟ أن نختار من يجيد صناعة المشهد، أم من يقدم لنا تصوراً قابلاً للنقاش والمساءلة؟
إن المغرب لا تنقصه المظاهر الاحتفالية، ولا تنقصه الألوان والأهازيج ولا القدرة على صناعة الفرجة. ما يحتاجه، في المقابل، هو نقاش سياسي جاد حول الأسئلة التي تؤرق المواطن يومياً: المدرسة العمومية، المستشفى، الشغل، القدرة الشرائية، السكن، الإدارة، العدالة الاجتماعية، التنمية في العالم القروي، ومحاربة الفوارق المجالية.
ومن هنا، فإن قيمة أي حزب لا ينبغي أن تقاس بقدرته على جذب الكاميرات فقط، وإنما بقدرته على إقناع المواطن بماذا سيفعل عندما يصل إلى موقع المسؤولية.
لقد تغير الناخب المغربي، وأصبح أكثر قدرة على التمييز بين الصورة والإنجاز، وبين الوعد والبرنامج، وبين الخطاب الانتخابي والممارسة الحكومية.
ولذلك فإن انتخابات 2026 قد تكون، قبل كل شيء، اختباراً للأحزاب نفسها: هل تستطيع الانتقال من منطق الحملة إلى منطق المسؤولية؟ وهل تستطيع تقديم أجوبة واضحة عن حصيلة الأمس ومشاريع الغد؟
فالمواطن لا يريد فقط أن يرى السياسي يغني أو يرقص معه؛ يريد أن يعرف ماذا سيقدم له بعد انتهاء الأغنية وانطفاء أضواء الحملة الانتخابية.
وهنا تحديداً تبدأ المعركة الحقيقية:
معركة البرامج… لا معركة الصور.
معركة الأفكار… لا معركة الاستعراض.
ومعركة المستقبل… لا معركة البهرجة.