الخريطة السياسية مرونة فيها قرقش وهز الديمقراطية داخل الأحزاب هي الضمانة الحقيقية لفرز انتخابات نزيهة

0 1٬280

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بدأت ملامح الخريطة السياسية المغربية تتحرك من جديد، وبدأت معها الحسابات والتحالفات والترشيحات، في مشهد يبدو للكثيرين وكأنه يعيد إنتاج نفسه في كل محطة انتخابية.

ولعل التعبير الشعبي المغربي «الخريطة مرونة فيها قرقش وهز» يلخص، بسخرية مغربية خالصة، واقعاً سياسياً لا يخلو من المفاجآت، ومن التحركات التي قد تقلب موازين القوى في آخر لحظة.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس فقط: من سيفوز ومن سيخسر؟
بل السؤال الأهم هو: كيف ستُفرز هذه الانتخابات؟ وعلى أي أساس سيختار المواطن ممثليه؟

إن الحديث عن انتخابات نزيهة لا ينبغي أن يبدأ يوم الاقتراع فقط، وإنما يجب أن يبدأ من داخل الأحزاب السياسية نفسها.

فلا يمكن لحزب سياسي أن يرفع شعار الديمقراطية في المجتمع، بينما لا يمارسها بالقدر الكافي داخل هياكله، ولا يتيح لأعضائه ومناضليه فرصاً حقيقية ومتساوية للتعبير عن اختياراتهم وانتقاء مرشحيهم.

الديمقراطية الداخلية للأحزاب ليست ترفاً سياسياً، بل هي المدخل الطبيعي للديمقراطية الانتخابية.

ومن هنا، نعتقد أن وزارة الداخلية، بما لها من مسؤوليات وصلاحيات في تدبير العملية الانتخابية والسهر على سلامتها، يمكن أن تلعب دوراً أكثر فعالية في ضمان احترام الأحزاب للقواعد الديمقراطية والشفافية في اختيار مرشحيها، وذلك في إطار القانون واحترام استقلالية التنظيمات السياسية.

إن المغرب أمام فرصة ذهبية لإنجاح الاستحقاق الانتخابي المقبل، وترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات والأحزاب.

لكن هذه الفرصة لن تكون ذات معنى إذا ظلت بعض الممارسات القديمة حاضرة، وإذا تحولت الانتخابات إلى سوق مفتوحة أمام أصحاب المال والنفوذ، حيث يصبح المال هو الذي يحدد من يملك فرصة الوصول إلى المؤسسات المنتخبة.

والأخطر من ذلك أن استمرار هذه الممارسات قد تكون له نتائج سياسية واضحة على الخريطة المقبلة.

فإذا بقيت «دار لقمان على حالها» داخل عدد من الأحزاب، وظلت الديمقراطية الداخلية ضعيفة، فإن أحزاب اليسار، على وجه الخصوص، قد تجد نفسها عاجزة عن تحقيق الموقع السياسي الذي كانت تطمح إليه.

وفي المقابل، قد تستفيد قوى سياسية أخرى من واقع تتداخل فيه الإمكانيات المالية والنفوذ الانتخابي، خصوصاً إذا لم تكن هناك يقظة حقيقية في مواجهة استعمال المال غير المشروع للتأثير على إرادة الناخبين.

وهنا لا بد من التمييز بين المال المشروع الذي يُنفق في إطار القانون وبين المال غير المشروع الذي يتحول إلى وسيلة لشراء الأصوات والتأثير في اختيارات المواطنين.

فالانتخابات ليست مزاداً، والمقعد الانتخابي ليس سلعة، وصوت المواطن ليس بضاعة قابلة للبيع والشراء.

إن المواطن المغربي اليوم أكثر وعياً مما كان عليه في السابق، وهو يتابع ما يجري داخل الأحزاب، ويراقب طريقة اختيار المرشحين، وينظر بعين الشك إلى كل محاولة لاستعمال المال أو النفوذ للتأثير في اختياراته.

ولذلك، فإن المعركة الحقيقية في الاستحقاق المقبل لن تكون فقط بين الأحزاب، وإنما ستكون أيضاً بين منطق الديمقراطية ومنطق المال والنفوذ.

وإذا أردنا فعلاً أن تكون الانتخابات المقبلة محطة ناجحة في المسار الديمقراطي للمغرب، فإن المطلوب هو أن تبدأ النزاهة من داخل الأحزاب، وأن تكون قواعد اللعبة واضحة للجميع، وأن يشعر المواطن بأن صوته له قيمة، وأن اختياره لن يُختطف بالمال أو النفوذ.

فهل ستتغير الخريطة السياسية فعلاً؟

أم أن «الخريطة مرونة فيها قرقش وهز» ستظل مجرد عنوان ساخر لانتخابات تعيد إنتاج الخريطة نفسها؟

الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة..

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.