✍🏼 بقلم:[د.هشام الدكاني]
لم يعد الخطر الحقيقي في زماننا هو الكذب وحده، ولا الخيانة وحدها، ولا حتى النفاق الذي صار يرتدي أفخر الثياب، بل أصبح الخطر الأكبر أن يختفي (التغابي الجميل) من حياتنا، وأن يتحول كل خطأ إلى معركة، وكل زلة إلى قطيعة، وكل كلمة عابرة إلى قضية لا تنتهي.
لقد أصبح كثير من الناس يتصيدون الهفوات كما يتصيد الصياد فريسته، ويبحثون عن العيوب بعدسة مكبرة، فإذا وجدوا زلة صغيرة، أقاموا عليها محكمة كبرى، وأصدروا أحكاما نهائية، وكأن العلاقات الإنسانية لا تعرف العفو، ولا تقبل النسيان!
في الماضي، كان الصديق يتغابى عن هفوة صديقه، والحبيب يغض الطرف عن زلة محبوبه، والقريب يستر قريبه، لأنهم كانوا يدركون أن الإنسان ليس آلة معصومة من الخطأ، وأن دوام المودة يحتاج إلى مساحة واسعة من التغافل، وإلى شيء من التغابي الحكيم.
أما اليوم، فقد أصبحت وسائل التواصل الإجتماعي تغذي ثقافة الشك، وتزرع سوء الظن، حتى صار البعض يفتش في الكلمات، ويحلل النيات، ويؤول الصمت، ويحاسب على التأخير في الرد، وكأن العلاقات الإنسانية تحولت إلى ملفات تحقيق، لا إلى روابط تقوم على الثقة والمحبة.
وليس التغابي ضعفا كما يظنه البعض، بل هو قوة نفسية لا يمتلكها إلا الكبار. إنه قرار واع بأنك تستطيع الرد، لكنك تؤثر الصمت،
وتستطيع الفضيحة، لكنك تختار الستر،
وتستطيع القطيعة، لكنك تمنح فرصة أخرى.
تلك أخلاق لا يقدر عليها إلا من ٱنتصر على غروره قبل أن ينتصر على خصمه.
ومن المؤسف أن بعض الناس يفسرون الحلم عجزا، والستر خوفا، والصبر ضعفا، فيتمادون في الإساءة حتى يقتلوا أجمل ما في العلاقات…. وحينها، لا يكون الإنفصال بسبب الخطأ الأول، بل بسبب تراكم الإستخفاف بمشاعر من كان يتغابى حفاظا على الود.
إن العلاقات التي تعيش طويلا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، وإنما تلك التي يعرف أصحابها متى يتكلمون، ومتى يصمتون، ومتى يعاتبون، ومتى يتغابون حفاظا على ما تبقى من المحبة.
في زمن أصبح فيه الجميع يبحث عن الكمال في الآخرين، نسي كثيرون أن الكمال ليس من صفات البشر، وأن من يرفض هفوة اليوم، سيجد نفسه غدا وحيدا، لأن الناس جميعًدا يخطئون، ولا يبقى بينهم إلا من يتقن فن العفو، ويجيد التغابي الجميل.
ليست البطولة أن تنتصر في كل جدال، ولا أن تكشف كل عيب، ولا أن تربح كل مواجهة… البطولة الحقيقية أن تحافظ على إنسان يستحق البقاء، ولو ٱبتلعت من أجله بعض الكلمات، وتجاوزت عن بعض الهفوات.
فالتغابي ليس غباء… بل هو ذكاء أخلاقي، لا يعرف قيمته إلا من أدرك أن بعض العلاقات أثمن من أن تهدم بسبب كلمة، أو موقف عابر، أو سوء فهم كان يمكن أن يذوب بٱبتسامة، أو يدفن بصمت كريم.