حصد نتائج كارثية بفعل التفريط في التربية الاخلاقية للأولاد

0 179

….
جيل الهدر المدرسي

جريدة بيان مراكش/ الصديق أيت يدار

لا يستقيم حال أي أمة دون تحقيق نسب مهمة في التربية والتعليم، فكل أمم الدنيا، التي انتقلت من حالة الطبيعة إلى حالة المدنية، مرت من هذا الطريق الضيق والخطير، والذي يحتاج العبور منه إلى كثير من الصبر والتصميم والإمكانات.
فما شهدته مباراة “الكلاسيكو” بين الجيش الملكي والرجاء الرياضي بالرباط، نهاية الأسبوع الماضي، من أحداث شغب وعنف خطيرة، تضمنت اشتباكات بين الجماهير وتخريبا لمرافق ملعب الأمير مولاي عبد الله، يذكر الجميع بأن العبور كان غير موفق ويواجه تحديات حقيقية تجعل من الانتقال نحو المدنية عملية صعبة إن لم تكن مستحيلة.
ما وقع في السابق، ويقع حاليا، وسيقع، بدون شك، في المستقبل، من أعمال غير حضارية، ليس فقط في الملاعب، بل تقريبا في كل الأماكن، وهنا يسائل الجميع ويدفع به إلى طرح السؤال الصعب، الذي يحاول دائما تجنبه، حتى لا يصطدم بالصورة البشعة أمام المرآة، ليسرها مع نفسه ويقول ؛ ماهي أسباب هذا العنف المقزز، الذي صار يفسد الأذواق الرفيعة، التي تحاول جاهدة معالجة القبح بالجمال.
لا يخفى أن رحلة البحث عن جواب لهذا السؤال الصعب، وإن كانت تتطلب السير في أكثر من طريق للوقوف على الأسباب والمسببات، إلا أنها تفرض غوصا عميقا في السوسيولوجيا، فالرحلة المتعبة لا تعفي مؤسسات التنشئة الاجتماعية، التي يبدو أنها تخلت عن أدوراها، من مسؤولياتها، فالعنف الذي يتفجر في الأماكن العامة، ينطلق من البيوت، دون أن تصقله المدرسة، فينمو ويتضخم في الشارع، وفي الأخير تكون النتائج كارثية، الأمر الذي بات يفرض ، حديثا جماعيا عما اقترفته أيادي هذه الكائنات العنيفة وتم إطلاقها في الفضاء العام تعيث في الارض فسادا.
لا بد من التحرك لمحاصرة خطر بات يهدد قواعد المشترك، وكفى من ترديد أسطوانة انعدام الوعي وجيل الضباع وما إلى ذلك من المفردات التي تنهل من قاموس الإحباط والعدمية، فما يزال الكثير من الوقت لإصلاح هذه الاعطاب الكارثية ، وليس هناك من سبيل لهذا الإصلاح سوى الرهان على تعليم الناس وتوعيتهم، لأنه يصعب ترويض العنف الكامن في المجتمع، بدون جرعات تعليم صالح وذي جودة.
وإذا كانت مسألة العنف غير الحضاري، التي باتت تجتاح الملاعب الرياضية والأماكن العامة معقدة، بحكم أنه تتداخل فيها عوامل كثيرة، فإن أزمة التعليم تساهم فيها بشكل كبير، من خلال الارتفاع الكبير لنسبة الهدر المدرسي، الذي يعد تحديا هيكليا كبيرا، حيث يغادر، حسب تقارير 2005 و2026، أكثر من 280 ألف تلميذ وتلميذة مقاعد الدراسة سنويا، مما يهدد مسار التنمية البشرية.
ولا يتسع المقام هنا للخوض في أسباب الظاهرة من فقر، زواج مبكر، صعوبات التعلم وضعف البنيات إلى غير ذلك من الأسباب، إلا أن الخطير في الظاهرة أنها تتفاقم في العالم القروي والأحياء المهمشة، كما تطال تلاميذة مرحلة الإعدادي، وهي مرحلة أساسية في تكوين الفرد، حيث يعيش خلالها ظروفا حساسة تحتاج إلى الكثير من الرعاية والتوجيه، وهناك ترتفع كلفة تربية الناس وتوعيتهم، حيث تضطر الدولة إلى تخصيص ميزانيات ضخمة لتعليم أبنائها، وهذا ما فعلته الدول المتقدمة حاليا.
لا داعي أن تصدمنا أعمال عنف الأطفال واليافعين هنا وهناك، فالأباء والأمهات والأولياء ، وكدولة ومجتمع كل من موقعه مسؤول عن التفريط في تربية الأبناء، وها هم اليوم يحصدون النتائج.
ولهذا يجب أن نعي جميعا أن التعليم هو النور الذي يبدد ظلمات الجهل، والركيزة الأساسية التي تبني عليها الأمم صروح مجدها وحضارتها، إنه ليس مجرد أرقام وشهادات، بل هو استثمار في العقول، وبناء للإنسان. فبالعلم وحده، تصقل المواهب، وتتخذ القرارات الحكيمة، وتذلل العقبات، وبه تصبح الأمم قادرة على كتابة تاريخها بأيدي أبنائها، محولة التحديات إلى فرص للتقدم والرقي.
خلاصة القول أن الأمم التي تضع التعليم في مقدمة أولوياتها تبني جيلا واعيا ومبدعا، يمتلك مفاتيح المستقبل ويسهم في بناء عالم أكثر استقرارا وتطورا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.