عودة ملف “تبديد ملايير التعليم” إلى الواجهة… القضاء يضيق الخناق على مسؤولين كبار

0 1٬098

في تطور قضائي جديد أعاد واحدا من أكبر ملفات الفساد المالي المرتبطة بقطاع التعليم بالمغرب إلى واجهة النقاش العمومي، كشفت مصادر متطابقة عن صدور قرار يقضي بإغلاق الحدود ومنع مغادرة التراب الوطني في حق المديرة السابقة للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة الرباط-سلا-القنيطرة، إلى جانب عدد من المسؤولين الآخرين، وذلك في إطار التحقيقات الجارية حول ما يعرف بملف اختلاس أموال البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم.

ويأتي هذا القرار في سياق إجراءات احترازية تهدف إلى ضمان حضور المشتبه فيهم أمام القضاء، لكنه في الوقت نفسه يعكس انتقال الملف إلى مرحلة أكثر حساسية، بعد سنوات من الجدل والتقارير التي تحدثت عن اختلالات جسيمة في تدبير الأموال العمومية المخصصة لإصلاح المدرسة المغربية. فقد أطلق البرنامج الاستعجالي قبل سنوات بميزانية ضخمة بلغت عشرات المليارات من الدراهم، وكان الهدف منه تحديث البنية التحتية للمؤسسات التعليمية وتحسين جودة التعلمات وتوفير الوسائل الديداكتيكية الحديثة، غير أن الواقع أظهر أن جزءاً كبيراً من هذه المشاريع لم يتحقق بالشكل المنتظر، إذ لم يلمس المواطن أثرها داخل المدارس العمومية رغم ضخامة الاعتمادات المالية المرصودة.

وتشير المعطيات المرتبطة بالتحقيقات إلى وجود صفقات شراء معدات وتجهيزات تعليمية سجلت محاسبيا ضمن المصاريف لكنها لم تصل فعليا إلى المؤسسات، أو وصلت في شكل تجهيزات غير صالحة للاستعمال، بينما تحدثت تقارير سابقة عن تبديد مبالغ ضخمة قدرت بعشرات المليارات من الدراهم، ما جعل الملف يصنف ضمن أكبر قضايا تبديد المال العام المرتبطة بالقطاع التعليمي. وقد انطلق الملف أساسا بشكايات تقدمت بها جمعيات لحماية المال العام قبل أن تتدخل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية وتباشر أبحاثا موسعة شملت عددا من الصفقات المرتبطة بالبرنامج، كما أعيد فتح التحقيق أكثر من مرة بعد ظهور معطيات جديدة وتقارير افتحاص كشفت اختلالات خطيرة في مساطر التدبير والصفقات العمومية.

ويرى متابعون أن قرار منع مغادرة التراب الوطني إجراء قانوني معتاد في القضايا المالية الكبرى، إذ يسمح بضمان عدم فرار المشتبه فيهم واستكمال التحقيقات في ظروف عادية، غير أن رمزيته تتجاوز الجانب الإجرائي ليعكس توجها نحو تشديد المحاسبة في قضايا المال العام، خصوصا في القطاعات الحيوية التي تمس مباشرة ثقة المواطن في الخدمات العمومية. كما يندرج هذا التطور ضمن سياق أوسع تشهده البلاد خلال السنوات الأخيرة، حيث توسعت التحقيقات في ملفات فساد داخل عدد من المؤسسات مع تصاعد المطالب بتفعيل مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وتعيد عودة الملف إلى الواجهة طرح أسئلة قديمة حول مصير ميزانيات الإصلاح، وأسباب غياب أثرها في المدرسة العمومية، وحول الجهات التي تتحمل المسؤولية الفعلية عن تعثر مشروع إصلاحي كان يعول عليه لإعادة تأهيل المنظومة التعليمية. ومع تشديد الإجراءات القضائية في حق مسؤولين كبار، يبدو أن القضية دخلت مرحلة حاسمة قد تكشف تفاصيل أعمق حول طرق تدبير المال العام داخل قطاع يعتبر من أكثر القطاعات حساسية ارتباطا بمستقبل الأجيال.

وبذلك لا يمثل قرار منع السفر نهاية الملف، بل بداية مرحلة جديدة قد تقود إلى محاكمات ومساءلات طال انتظارها، ويبقى الرهان الأكبر في ما إذا كانت هذه القضية ستشكل منعطفا حقيقيا في مسار محاربة الفساد وتعزيز الثقة في المؤسسات، أم ستظل محطة أخرى في سلسلة ملفات كبرى أثارت اهتمام الرأي العام دون أن تغلق بشكل نهائي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.