وادٍ وُلد ليحمي مراكش، فمن يغامر بأمن آلاف المراكشيين؟

0 1٬300

في نقطة استراتيجية وبالضبط عند المدخل المؤدي إلى باشوية و مجلس جماعة تسلطانت، بمحاذاة شارع محمد السادس، وعلى التخوم الفاصلة بين نفوذ جماعتي القصبة وتسلطانت، يوجد وادٍ اصطناعي أُنجز ضمن برنامج حماية مدينة مراكش من الفيضانات. هذا الواد ليس مجرد مجرى مائي عادي، بل خندق وقائي صُمم لاستقبال مياه واد إسيل وواد البهجة عند ارتفاع منسوبها، وتخفيف الضغط المائي عن المدينة في لحظات الخطر.
غير أن هذا المرفق الحيوي، الذي يفترض أن يظل مفتوحًا وفعّالًا في أداء دوره الوقائي، أصبح اليوم موضوع تدخلات مقلقة تثير أكثر من علامة استفهام. فقد جرى تسييجه بحائط إسمنتي مرتفع يمتد على طوله، مع إحداث أبواب خاصة، أحدها يفتح مباشرة على مطعم سياحي مجاور، إضافة إلى تسييج جزء من داخله بسياج حديدي يوحي بتهيئته لاستغلال ترفيهي أو رياضي، وكأن الأمر يتعلق بملك خاص لا بوادٍ تابع للملك العمومي المائي.


هذه الأشغال، بصيغتها وموقعها وطبيعتها، لا تطرح فقط إشكالا قانونيا حول الترخيص والاختصاص، بل تفتح بابا أخطر يتعلق بجوهر وظيفة هذا الواد. فكل تضييق أو تسقيف أو تغيير في مجرى مائي مخصص لتصريف الفيضانات يحوله من وسيلة حماية إلى عامل خطر، وقد يكون كافيا، في لحظة أمطار استثنائية، ليتحول الخندق الوقائي إلى نقطة اختناق تقذف بالمياه نحو الأحياء والممتلكات بدل تصريفها بأمان.
وما وقع بمدينة آسفي لا يزال حاضرا في الذاكرة الجماعية، حين أدى اختناق مجرى مائي بفعل الإهمال والتراكمات والتدخلات غير المحسوبة إلى فيضان مدمر أغرق أحياء بأكملها وخلف خسائر بشرية ومادية جسيمة. اليوم، ومع التقلبات المناخية الحادة التي تشهدها البلاد، يبدو أن مراكش بدورها توضع أمام سيناريو مشابه إذا استمر العبث بمجارٍ أُنشئت أصلا لحمايتها.

إن تحويل وادٍ وقائي مفتوح إلى فضاء مسيّج بالأبواب والأسوار والاستغلالات الخاصة، وربطه مباشرة بمرافق سياحية، لا يمكن اعتباره اجتهادا عمرانيا أو استثمارا عاديا، بل يشكل، بكل المقاييس، مساسا خطيرا بأمن مدينة كاملة. فحين يُخنق المجرى الذي يُفترض أن يستوعب السيول، فإن كل ساكن في مراكش يصبح معنيا بالخطر، لأن الفيضان لا يعترف بالحدود الإدارية ولا بالاستثناءات.


أمام هذه المعطيات، ترتفع مطالب بضرورة تدخل عاجل من والي الجهة ووكالة الحوض المائي والنيابة العامة، لفتح تحقيق في قانونية هذه الأشغال، وفي مدى احترامها لوظيفة الواد الوقائية، وترتيب الجزاءات اللازمة إن ثبت أي خرق. فالمساس بالملك العمومي المائي لا يدخل في خانة المخالفات البسيطة، بل يتعلق مباشرة بالسلامة العامة وبحق المواطنين في الحماية من الكوارث.
إن التغاضي عن ما يجري عند مدخل تسلطانت، أو التعامل معه بمنطق “سيمر الأمر”، يعني القبول المسبق بعواقب قد تكون وخيمة ولا يمكن تداركها لا في الأرواح ولا في الممتلكات. فاللعب بالأودية ليس لعبا بالنار فقط، بل لعب بمصير مدينة بأكملها، وهو ما يفرض وقفة حازمة قبل أن يتحول هذا الخطر الصامت إلى مأساة مكتملة الأركان.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.