المال العام أمانة إنتخابية .. من الشرعية القانونية إلى بناء الثقة المجتمعية
م.س: بيان مراكش
يعد تدبير المال العام أحد أبرز مظاهر ممارسة السلطة العمومية ، وأحد المعايير الأساسية لقياس جودة الحكامة المحلية ومدى إحترام المنتخبين لجوهر التفويض الديمقراطي ، فكل قرار مرتبط بإنفاق الموارد العمومية مهما بدا محدود الأثر أو تقنيا في مظهره ، يخضع من حيث المبدأ لمقتضيات المشروعية القانونية ولمعيار أعمق يتمثل في المسؤولية الأخلاقية المرتبطة بخدمة الصالح العام .
و يثير النقاش العمومي الذي عرفته مدينة مراكش بخصوص ضغط بعض المنتخبين على المجالس من أجل إقتناء هواتف نقالة ، خاصة مع إقتراب نهاية الولاية الإنتدابية ، تساؤلات جوهرية تتجاوز الجانب التقني أو الإجرائي ، لتلامس إشكالات الأولويات والتناسب والغاية من الإنفاق العمومي لأنه من الزاوية القانونية يخضع إقتناء أي معدات أو وسائل عمل من المال العام لمبادئ أساسية مؤطرة للتدبير العمومي ، وفي مقدمتها مبدأ الضرورة ومبدأ التناسب بين الوسيلة والغاية ومبدأ الإستعمال الوظيفي للنفقة العمومية ، فالهاتف النقال أداة للتواصل والمتابعة لا يكتسي في حد ذاته طابعا إستثنائيا يبرر إقتناء تجهيزات ذات كلفة مرتفعة ، ما دام الهاتف الشخصي أو المهني بمواصفات عادية ، قادرا على تلبية الحاجيات الإدارية والتواصلية المرتبطة بالمهام الإنتدابية .
كما أن أي جهاز يتم إقتناؤه من المال العام يظل ، من الناحية القانونية جزءا لا يتجزأ من ممتلكات الجماعة الترابية ، ويخضع بالتالي لقواعد التقييد في السجلات مع ضبط الرقم التسلسلي والإدراج في الجرد العام للممتلكات ، مع إخضاعه لمسطرة التتبع والمراقبة وضمان إرجاعه إلى الإدارة عند إنتهاء المهمة أو الولاية الإنتدابية ، ويعد أي إخلال بهذا المسار مساسا بمبدأ إستمرارية المرفق العام وبالتمييز الجوهري بين الصفة الوظيفية والملكية الخاصة .
أما من الزاوية الأخلاقية فإن الإشكال لا يتعلق فقط بمشروعية النفقة ، بل بمدى إنسجامها مع روح المسؤولية والإعتدال التي يفترض أن تؤطر سلوك المنتخب ، فإقتناء أو طلب إقتناء هواتف ذات طابع رفاهي من قبيل بعض طرازات آيفون أو سامسونغ عالية الجودة ، لا يستقيم مع متطلبات التحفظ والإقتصاد في النفقات العمومية ولا مع السياق الإجتماعي والإقتصادي الذي يفرض ترشيد الموارد وتوجيهها نحو أولويات أكثر إلحاح تخدم رعايا جلالة الملك … في المقابل لا يطرح إقتناء هواتف عادية تؤدي الوظيفة دون مظاهر ترف إشكالا أخلاقيا متى كان مضبوطا بالحاجة الفعلية وبمقتضيات القانون .
وتزداد حدة هذا الإشكال حين يتم إتخاذ مثل هذه القرارات في المراحل الأخيرة من الولاية الإنتدابية لمجالس المقاطعات أو المجلس الجماعي حيث يصبح السؤال مشروعا حول الغاية الحقيقية من النفقة ، وحول ما إذا كانت تخدم المرفق العمومي أم ترتبط بإعتبارات شخصية أو رمزية لأنها تفرغ الفعل من مضمونه الأساسي .
إن النضج السياسي والإداري لا يقاس بتعدد الوسائل أو حداثة الأدوات ، بل بقدرة المنتخب على تحقيق التوازن بين الإمكانيات المتاحة والنتائج المنتظرة ، وعلى إحترام مبادئ الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة ، كما أن ترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية يمر عبر قرارات رشيدة تعكس وعيا حقيقيا بأن المال العام ليس مجالا للإنفاق الغير عقلاني بل أمانة مؤقتة مرتبطة بالمصلحة العامة .
ولهذا فإن ترشيد إقتناء الوسائل التقنية وضبطها قانونيا ، والإقتصار فيها على ما هو ضروري وغير رفاهي ، وضمان بقائها ضمن الملكية المؤسساتية للجماعة بعد إنتهاء الفترة الإنتدابية يشكل تجسيدا عمليا للإلتقاء بين القانون والأخلاق في تدبير الشأن المحلي ، وهو إلتقاء يظل الشرط الأساس لضمان إستدامة أثر العمل العمومي ، وصيانة الثقة العامة وحماية المال العام من الإنزلاق نحو ممارسات شكلية تفتقر إلى الجدوى الحقيقية.
وخلاصة القول فإن المسؤولية الإنتدابية ، خاصة على مستوى القرب الترابي كما هو الحال بمقاطعة سيدي يوسف بن علي ، لا تختزل في ممارسة الصلاحيات القانونية فحسب ، بل تقوم أساسا على منظومة قيمية قوامها النزاهة ، والإعتدال ، وإستحضار المصلحة العامة في كل قرار ، مهما بدا تقنيا أو محدود الأثر ، فالمواطن في هذا المجال الترابي ، بما يحمله من إنتظارات إجتماعية وتنموية مشروعة ، لا ينتظر من ممثليه مظاهر رمزية أو إمتيازات شكلية ، بقدر ما ينتظر سلوكا أخلاقيا يعكس وعيا بثقل الأمانة ومسؤولية التفويض .
إن التحلي بأخلاقيات التدبير الرشيد يقتضي من المنتخبين المحليين إدراك أن المال العام أداة لتحقيق العدالة المجالية وتحسين شروط العيش ، لا مجالا للتوسع في النفقات غير الضرورية أو الممارسات التي قد تسيء إلى صورة العمل التمثيلي ، كما أن إحترام قواعد التناسب والشفافية ، وربط القرار العمومي بغاياته الوظيفية ، يشكل الحد الأدنى من الإلتزام الأخلاقي الذي يمنح للفعل الإنتدابي مشروعيته المجتمعية ،و يظل عامل الثقة التي تحظى بها رئاسة مقاطعة سيبع لدى الساكنة رأسمالا معنويا مهما، يقتضي ترجمته إلى ممارسات تدبيرية رشيدة تعزز هذا الرصيد وتكرسه في خدمة الصالح العام .