من أجل عدالة استباقية وإدارة ذكية: نحو إحداث منصة رقمية موحّدة لمعرفة الوضعية القانونية للمواطن
بقلم: بدر شاشا
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد الإصلاح الإداري والقضائي خيارًا مؤجَّلًا، بل ضرورة وطنية تفرضها متطلبات التنمية، وحاجيات المواطن، ورهانات الدولة الحديثة. ومن هذا المنطلق، يبرز مقترح إحداث منصة إلكترونية موحّدة بالمغرب، تُمكّن المواطن، عبر بطاقة التعريف الوطنية، من معرفة وضعيته القانونية، وهل عليه قضية، أو بحث، أو إشكال إداري أو قضائي يستوجب المعالجة، كفكرة رائدة تستحق النقاش والتفاعل المؤسساتي الجاد.
إن هذا المقترح، الذي يمكن أن تتقاسمه وزارة العدل ووزارة الداخلية في إطار تنسيق مؤسساتي محكم، يندرج ضمن فلسفة الوقاية القانونية بدل منطق المفاجأة والعقاب، ويجعل من المعلومة حقًا مكفولًا، ومن الإدارة شريكًا في الحل لا عائقًا أمامه. فكثير من المواطنين يجدون أنفسهم أمام مشاكل قانونية لم يكونوا على علم بها إلا في لحظات حرجة، أثناء السفر، أو الترشح لوظيفة، أو القيام بإجراء إداري بسيط، وهو ما يخلق إحساسًا بالظلم والارتباك، ويؤثر سلبًا على الثقة في المؤسسات.
إن المنصة الإلكترونية المقترَحة يمكن أن تشكل جسرًا رقمياً بين المواطن والدولة، تُعرض من خلالها المعطيات الأساسية فقط، في احترام صارم للقانون وحماية المعطيات الشخصية، دون المساس بسرية التحقيقات أو استقلالية القضاء. منصة تُخبر المواطن بوجود قضية مفتوحة، أو حكم غيابي، أو مذكرة بحث، أو إجراء إداري عالق، مع توجيهه إلى الجهة المختصة لمعالجة وضعيته بشكل قانوني ومنظّم.
وتكمن قوة هذا المشروع في كونه لا يهدف إلى التشهير أو التضييق، بل إلى تمكين المواطن من تصحيح وضعيته القانونية في الوقت المناسب، وتفادي تفاقم المشاكل، وتخفيف الضغط عن المحاكم ومصالح الأمن والإدارة الترابية. كما أنه ينسجم مع روح دستور 2011، الذي كرس الحق في الولوج إلى المعلومة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل المواطن في صلب السياسات العمومية.
إن اعتماد بطاقة التعريف الوطنية كوسيلة ولوج آمنة إلى هذه المنصة يعزز المصداقية، ويحد من أي استعمال غير مشروع، خاصة إذا تم دمجها مع آليات التحقق الرقمي الحديثة، والتوقيع الإلكتروني، وربطها بالبوابات الحكومية القائمة. وهنا يظهر دور وزارة الداخلية في تأمين المعطيات المدنية، ودور وزارة العدل في تأطير الجوانب القانونية والقضائية، ضمن رؤية مشتركة تخدم المصلحة العامة.
ولا شك أن إحداث مثل هذه المنصة سيكون خطوة نوعية في مسار النهوض بالقطاع القضائي والإداري، وتكريس مبدأ القرب، والشفافية، والنجاعة. كما أنه سيعزز صورة المغرب كدولة تسير بثبات نحو الرقمنة الشاملة، وتؤمن بأن المعرفة أساس الإصلاح، وأن الاستباق أفضل من المعالجة المتأخرة.
فإن هذا المقترح الذي اقترحه ليس مجرد فكرة تقنية، بل مشروع مجتمعي يضع المواطن في قلب المنظومة، ويدعو إلى شراكة حقيقية بين وزارة العدل ووزارة الداخلية، من أجل بناء إدارة ذكية، وعدالة استباقية، ودولة تحترم حق مواطنيها في المعرفة، وتفتح أمامهم سبل الإصلاح قبل فوات الأوان.