ورقة الغاز… السلاح الذي ارتدّ على الجزائر

0 595

فشلٌ ذريع وهزيمةٌ نكراء سجلتها الجزائر قد تتسبب لها في نومٍ طويل على سرير الإنعاش. هي رغبة جامحة قوية كانت حاضرة في قرارات الجزائر الرامية إلى توظيف ورقة الغاز للتأثير على مواقف العاصمة واشنطن فيما يتعلق بالنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وتوظيف هذه الورقة واستغلالها ضد بعض دول الاتحاد الأوروبي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد مداه لاستمالة باقي الشركاء الدوليين في مجال الطاقة، ولا سيما الشركات الأمريكية.
هذه الدولة التي لم تكف يومًا عن معاداة المملكة المغربية، “هوس المعاداة”، ومهما اختبأت وراء أقنعتها، وحاولت إخفاء مواقفها، يظهر عداءها للمغرب بوضوح في مناسبات عدة.
الجزائر، التي لم تكف يومًا عن معاداة المملكة المغربية في العديد من المحافل الإقليمية أو داخل المنتديات الحقوقية والثقافية أو عبر وسائل إعلامها التي تنشر سمومها وأخبارها الزائفة…، بذلت جهودًا حثيثة لاستمالة الشركاء الدوليين من أجل دفعهم لتبني توجهها الانفصالي في خدمة أجندتها الانفصالية، وحجب مشروعية مبادرة الحكم الذاتي كحلٍّ جادٍّ وواقعيٍّ للنزاع، كما سعت الجزائر لإكراه ودفع أطراف أخرى للتراجع عن مواقف سبق لها الإعلان عنها، أو دول كانت في طريق تشكيل وتسجيل مواقفها تجاه النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
الجارة الجزائرية لم تتوانَ في استعمال ورقة الطاقة لتشكيل وتحديد علاقاتها مع عدد من الدول، فهي تتصرف خارج المنطق الدولي، وتعادي كل من لم يرضخ لطلباتها أو لم يتبنَّ موقفها من ملف الصحراء المغربية. ويظهر هذا المد والجزر من خلال منح امتيازات اقتصادية مغرية تارة، وسحب السفراء وقطع العلاقات أو استعمال ورقة الطاقة تارة أخرى عند تغير مواقف هذه الدول. وخير شاهدٍ على ذلك فترات التوتر مع كلٍّ من مدريد وباريس.
ولم تكترث الجزائر يومًا بمصالح شعبها، بل كان همّها وطموحها تكليب الدول لتغيير موقفها حول ملف الصحراء المغربية. ويبرز هذا جليًا من خلال الاستقبال الذي خصّه الرئيس الجزائري لوفدين من شركتي “شيفرون” و”إكسون موبيل” الأمريكيتين، في خطوةٍ فسرت على أنها محاولة لاستغلال انفتاح الجزائر على كبريات الشركات العالمية في مجال الطاقة لتعزيز موقعها في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكمصدرٍ بديلٍ للغاز نحو أوروبا بعد اضطرابات السوق الطاقية، فضلًا عن تحسين صورتها الخارجية أمام المجتمع الدولي.
كما استخدمت الجزائر شركة “سوناطراك” كأداة دبلوماسية موازية، كلفتها بنسج علاقات اقتصادية تخدم خلفيات سياسية. ومن أبرز الاتفاقيات التي وقعتها الشركة اتفاقيات (تعاون) بين “سوناطراك” و”شيفرون” لتطوير الحقول الطاقية في “أهنات” و”بركين”، وهي مناطق غنية في الجنوب الجزائري، فضلًا عن توقيع مذكرات تفاهم أخرى.
مظاهر استعمال الجزائر للطاقة كورقة نفوذ
في هذه الفقرة، سنذكر نماذج من الدول التي كانت محل ابتزاز اقتصادي من طرف الجزائر.
إسبانيا: عندما أعلنت مدريد في 18 مارس 2022، في رسالةٍ وجهها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانش إلى جلالة الملك محمد السادس نصره الله، دعم بلاده لمقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء، وأن هذا المقترح يمثل “الأساس الأكثر جدية وواقعية “، ردّت الجزائر بقطع العلاقات التجارية وتجميد معاهدة الصداقة، وهددت بتقليص إمدادات الغاز أو إعادة النظر في الأسعار والعقود.
كما صرّح الجانب الجزائري بأن أي تحويلٍ لكميةٍ من الغاز الجزائري المرسلة إلى إسبانيا ليتم توجيهها إلى المغرب سيكون مخالفةً للعقد، وقد يُستخدم ذلك كذريعةٍ لإنهاء العقد بين سوناطراك والمشتري الإسباني. هذا الموقف كان رسالة تحذيرية غير مباشرة لدول أوروبية أخرى كي لا تتخذ مواقف مشابهة.
إفريقيا وأمريكا اللاتينية: استعملت الجزائر ورقة الطاقة لاستمالة بعض الدول الإفريقية عبر وعود بمساعدات أو مشاريع طاقة، مقابل مواقف أكثر حيادًا أو داعمة للطرح الانفصالي. إلا أن محاولتها باءت بالفشل، ولم تخضع العديد من الدول الإفريقية للضغط الجزائري، بل بالعكس، واصلت بعض الدول دعم الحكم الذاتي بشكلٍ أقوى باعتباره الحل الواقعي والوحيد للنزاع، وهو ما أكّدته قرارات مجلس الأمن المتتالية، ومنها القرار 2797.
فرنسا: لم تغيّر باريس موقفها المساند لمبادرة الحكم الذاتي، بل أكدت مرارًا أن المبادرة المغربية “جدّية وذات مصداقية”. وبرغم أن فرنسا تستورد جزءًا من الغاز الجزائري، فإن اعتمادها الأساسي على مصادر أخرى (النرويج، قطر، والولايات المتحدة) جعلها أقل عرضة للابتزاز الطاقي الجزائري. كما حاولت الجزائر مرارً
إغراء شركة Total Energies بمشاريع مشتركة في مجال الغاز الطبيعي المسال المسمى LNG
إيطاليا: اتخذت موقفًا براغماتيًا، فهي بحاجةٍ للغاز الجزائري لتعويض النقص الروسي، وفي الوقت نفسه تحافظ على شراكتها الاقتصادية والسياسية المتنامية مع المغرب، فاختارت الحفاظ على علاقاتٍ متوازنة بين الدولتين لتجنّب النزاع حول الصحراء. كما أن إيطاليا والمغرب حليفان إقليميان وصديقان تاريخيان.
ألمانيا: أكدت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية سنة 2022، وفي المقابل حاولت الجزائر استمالتها عبر الطاقة لكنها فشلت. وقد وضعت برلين علاقتها مع المغرب ضمن أولويات “الاستقرار الإقليمي” أكثر من مصالحها الطاقية المحدودة مع الجزائر.
البرتغال: أعلنت دعمها الواضح للمبادرة المغربية سنة 2023، ولم تتأثر بأي ضغطٍ طاقي جزائري، لأنها تعتمد على خطوط الغاز القادمة من إسبانيا والمغرب سابقًا.
الولايات المتحدة الأمريكية: العلاقات الأمريكية المغربية أكبر من أن تتأثر أو تُسَيَّس بالورقة الطاقية الجزائرية. أكدت واشنطن في مناسباتٍ عدة دعمها لمقترح الحكم الذاتي، واعتبرته منذ سنة 2020 “الحل الواقعي والجاد”. كما أن شركات
تتعامل مع الجزائر بالمنطق الاقتصادي الصرفExxonMobil وChevron
رغم محاولات الجزائر تسييس هذه العلاقة. غير أن السياسة الأمريكية ثابتة في دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي، ويلاحظ هذا من خلال الإدارات المتعاقبة، وحافظت الولايات المتحدة الأمريكية على الاعتراف بمغربية الصحراء، وعلى تعزيز اعتماد مقترح الحكم الذاتي كحلٍّ نهائي للنزاع، وهو ما يظهر جليًا في القرار 2797.بدعمٍ متزايد داخل القارة، مما أضعف الموقف الجزائري بشكلٍ واضح.
ردّ فعل الدول تجاه الضغط الجزائري
إسبانيا: لم تخضع مدريد للضغط الجزائري، رغم التهديدات المباشرة بقطع أو مراجعة عقود الغاز، وتمسكت بدعمها لمبادرة الحكم الذاتي كحلٍّ واقعي للنزاع. وبعد ذلك، أعلنت الجزائر تجميد معاهدة الصداقة مع إسبانيا سنة 2022، وقلّصت بعض الصادرات التجارية غير الغازية، لكنها لم توقف الغاز نهائيًا. واعتبرت إسبانيا موقفها من الصحراء “قرارًا سياديًا”، مؤكدة أن الجزائر تحاول “تسييس الطاقة”.
ردّ الدول الإفريقية: أغلب الدول الإفريقية لم تتأثر بورقة الغاز، لكون الجزائر لا تملك بنية تحتية قوية لتصدير الغاز نحو إفريقيا جنوب الصحراء، كما أن الكلفة باهظة. وإضافة إلى ذلك، فإن مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب أصبح يحظى بدعم كبير.
إن الجارة الجزائرية لا تفصل بين السياسة والاقتصاد، ولا يهدأ لها بال، فهي باستمرار تسعى لإحداث اضطرابات في الإقليم وخارجه، وشراء مواقف. هذا الانفتاح المتزايد على شركات النفط الأمريكية أثار تساؤلاتٍ عديدة، إذ يبدو في الظاهر توجهًا اقتصاديًا، لكنه في الخفاء يكشف عن هوس العداء لدى الجزائر، واستغلالها للورقة الطاقية للتأثير على موقف الولايات المتحدة الأمريكية من قضية الصحراء المغربية.
لقد أظهر القرار 2797 أن مبادرة الحكم الذاتي هي الحل الواقعي و النهائي النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، فمحاولات الجزائر للضغط على الدول الأوروبية والأمريكية والإفريقية باءت بالفشل، بينما ظلّ المغرب يتمتع بدعمٍ دوليٍّ واسعٍ لمبادرة الحكم الذاتي، التي تؤكد على جديّتها وواقعيتها.
إن ما يبرز من هذا السياق هو أن المغرب، بفضل سياسته الحكيمة واستراتيجيته الدبلوماسية المتوازنة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، استطاع أن يحوّل التحديات إلى فرصٍ لتعزيز مكانته الإقليمية والدولية. ويؤكد هذا المشهد مرةً أخرى النهج المغربي القائم على التنمية، والاستقرار، والتحالفات الاستراتيجية.
لطالما كانت المملكة المغربية واضحة المواقف، وقد كسبت بذلك ثقة دول العالم، مما يجعل الكفة دائمًا تميل لصالحها. قضية الصحراء المغربية هي القضية الأولى، وتشكل مبادرة الحكم الذاتي الحلَّ السياسي الواقعي والجادَّ والقابل للتطبيق، تحت الرعاية الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
يوسف بنشهيبة باحث في العلوم الجنائية والأمنية
مهتم بالعلاقات الدولية

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.