شريف مولاي بوبكر: بيام مراكش
تشهد العديد من المؤسسات التعليمية بمناطق مختلفة من المملكة تزايدًا لافتًا في ظاهرة تخريب الجدران عبر كتابات عشوائية وشعارات رياضية ورسومات تشوه الفضاء التربوي وتحول المدرسة من فضاء للتربية والنظام إلى مسرح للفوضى البصرية. هذه السلوكات ليست مجرد تصرفات عفوية أو لحظات من التهور، بل تعكس أزمة أعمق ترتبط بغياب الوعي التربوي، وضعف الشعور بالانتماء، وانعدام التأطير الأسري والمؤسساتي. فالمدرسة، باعتبارها مؤسسة عمومية، تعتبر جزءًا من الملك العمومي، وأي اعتداء على بنيتها التحتية هو اعتداء مباشر على مرفق عام يخضع لحماية القانون. وفي هذا الإطار، ينص الفصل 590 من القانون الجنائي المغربي على أن كل من خرب عمدًا منشآت عمومية مخصصة للمصلحة العامة يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات، مع إمكانية تشديد العقوبة إذا تعلق الأمر بتخريب منشأة تعليمية أو إذا نتج عن الفعل تعطيل لخدمات عمومية أو إلحاق أذى بالمجتمع. وعلى الرغم من وضوح الإطار القانوني، فإن غالبية المؤسسات التعليمية لا تلجأ إلى تفعيل المتابعة القضائية في مثل هذه الحالات، وذلك بسبب الطابع التربوي لطبيعة الفاعلين، وغالبًا ما يكونون تلاميذ قاصرين، مما يؤدي إلى نوع من التساهل غير المعلن الذي يُطبع هذه الظاهرة، ويجعلها تتفاقم دون رادع. غير أن خطورة هذه الظاهرة لا تتوقف عند الجانب القانوني فحسب، بل تتعداه إلى بُعد نفسي وتربوي، حيث يفقد التلميذ الإحساس بجمالية مؤسسته، ويترسخ لديه أن العبث بالفضاء المدرسي أمر مسموح أو غير مهم. فعندما يعتاد التلميذ على رؤية جدران مدرسته مشوهة دون تدخل فوري لإعادة ترميمها أو صباغتها، يصبح التخريب سلوكًا عادياً أو وسيلة للتعبير، وهذا ما يضرب جوهر العملية التربوية في الصميم. إن التصدي لهذه الظاهرة يجب أن يكون جماعيًا وتكامليًا، يبدأ من الأسرة التي يقع على عاتقها دور التربية على احترام الممتلكات العامة، ويمر عبر الإدارة التربوية التي يجب أن تكون يقظة ومتدخلة في الوقت المناسب، ويشمل كذلك السلطات المحلية والجماعات الترابية التي ينبغي أن تواكب المؤسسات التعليمية في الصيانة والدعم، إلى جانب تفعيل الشرطة الإدارية كلما تطلب الأمر ذلك. وبما أن العقوبة الزجرية وحدها لا تكفي، فإن الحلول التربوية يجب أن تُفعّل على أرض الواقع، من خلال تنظيم ورشات للرسم الجداري الموجه داخل المدارس، ومسابقات للتلاميذ حول التربية على المواطنة، وحملات تحسيسية بالشراكة مع المجتمع المدني وفعاليات رياضية وثقافية قريبة من وجدان الشباب. كما أن إدماج التربية على الملك العمومي في البرامج الدراسية، وتخصيص أنشطة موازية لموضوع حماية المدرسة، كفيل بترسيخ احترام الفضاء التربوي لدى الناشئة. في النهاية، لا يمكن لأي إصلاح تعليمي أن ينجح في ظل مؤسسات مشوهة ومهملة، ولا يمكن ترسيخ قيم الانضباط في بيئة يغلب عليها التسيب البصري والسلوكي. إن تخريب جدران المدرسة ليس مجرد فعل جانبي، بل هو ناقوس خطر يكشف اختلالًا في علاقتنا بالمؤسسات، ويستوجب وقفة حازمة تزاوج بين سلطة القانون، وقوة التربية، وذكاء المجتمع المدني.