عندما يغلب صوت “الدوارة والكرشة” وعقلية الاستهلاك

0 381

 

بقلم أبو أمين”بيان مراكش”

رغم الدعوة الملكية الحكيمة إلى الاحتفال بعيد الأضحى دون أضحية هذا العام، حفاظًا على الثروة الحيوانية الوطنية التي تضررت جراء الجفاف وارتفاع تكاليف التربية، يصرّ بعض المغاربة على التمسك ب”الدوارة والكرشة”، وكأنها من أركان الدين .
قرار جلالة الملك، الذي أتى في سياق ظرفية اقتصادية ومناخية استثنائية، يعكس وعيًا عميقًا بمصلحة البلاد والعباد. فقد ارتفعت أسعار الأضاحي بشكل غير مسبوق، وتقلص العرض بفعل تراجع الإنتاج الوطني، ما جعل من التضحية عبئًا حقيقيًا على جيوب المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود. ومع ذلك، لا يزال البعض يندفع بدافع “جنون الدوارة والكرشة”، مصرّين على الذبح مهما كلف الأمر، حتى ولو استدانوا أو ضحّوا بأولويات أسرهم.
هؤلاء لا يرون في العيد سوى مشهد الشواء ورائحة الكرشة تطهى في الأزقة، متناسين أن فلسفة العيد أعمق من مجرد استهلاك جماعي للشحوم واللحوم. فالعيد مناسبة للتراحم، وصلة الأرحام، وإحياء قيم التضامن، وليس بالضرورة مقترنًا بسكين ودم.
ما يحدث اليوم يكشف عن خلل في تمثل بعض المغاربة للشعيرة الدينية، حيث تتحول كثير من العادات غير الضرورية إلى واجبات اجتماعية مفروضة بالقوة، يبررها الخوف من نظرة الجيران أو العيب، أكثر من كونها ممارسات نابعة من قناعة دينية أو مسؤولية مواطِنة.
وقد عبّر عدد من المواطنين، عبر منصات التواصل، عن ارتياحهم لقرار الملك، واعتبروه فرصة لإعادة النظر في مفهوم العيد، والقطع مع ثقافة الاستعراض والضغط الاجتماعي. فيما دعا فاعلون مدنيون إلى تحويل ميزانية الأضاحي نحو دعم التعليم والصحة أو مساعدة المحتاجين، مما يحقق الأجر والثواب بشكل أبلغ من مجرد الذبح.
إن اللحظة التي نعيشها تقتضي وقفة تأمل جماعي: هل نضحي لأجل التقوى، أم لأجل “الدوارة والكرشة”؟ وهل نستطيع الانخراط فعليًا في وعي جماعي يغلّب المصلحة العامة على الرغبة الفردية؟
الجواب عن هذه الأسئلة سيحدد مدى نضجنا كمجتمع، وقدرتنا على الإصغاء لنداء العقل والحكمة، لا لصوت الشواء المشتعل في زوايا الأزقة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.