عندما يتم إستغلال الأسطورة من أجل تعطيل العقل

0 1٬047

منذ قدم الزمان كانت ولا تزال بعض الأماكن سواء كانت عبارة عن ضريح أو مغارة، كهف أو قبة أو صخرة…إلخ تنسج حولها العديد من الحكايات والأساطير والإشاعات المزيفة على مر التاريخ، والتي إخترت لها عنوان : “الذاكرة المزيفة”، في هذا المقال والتي هي في أصل الأمر ذاكرة خيالية مزيفة، أصحابها يطلقون لمخيلتهم عنان الإبداع والخيال لإنتاج اللاحقيقة.
ولعل حاجة بعض الناس إلى الخيال والزيف والهروب من الواقع نحو واقع لا مرئي، يعد من بين الأسباب الرئيسية، هذا السبب وأسباب أخرى تدفع القائمين على هذه الأماكن أو ما يصطلح عليهم بالمقدم أو الشريف، أو صاحب الكرامة أو البركة أو (الشيخ) أو أي كانت التسمية المعروفين بها، أو التي يطلق بها عليهم، بالإحتكام إلى لغة المنطقة ورموزها ومدى قدرة الناس على فهمها بشكل مبسط، ومحدد الثقافة الشعبية وخصوصيات المنطقة ومحددات واعتبارات أخرى، كل هذا وذاك من أجل تحقيق مطامع معينة سنفصل فيها في الأسطر التالية.
وأشير في نفس السياق إلى ملاحظة في غاية الأهمية، مصطلح الفقيه أو الشيخ تم التلاعب به من طرف هؤلاء والإختباء وراءه مما جعل هؤلاء المصدقين أمام أزمة وزيف المصطلح، وتم تلبيس المصطلح معنى مخالف لما هو عليه في الأصل، أي هو تحميل للمصطلح ما لا يطيق، أما ما يحاك وراء الصفة فهو مخالف البَتَّةَ لما يقومون به وأكثر بشاعة.
و كما سماهم الكاتب والصحفي ‘جنوحي يونس’ في مقاله
“خرافات وأساطير جمدت المغرب” “بِالرُعَاة الرسميين للخرافة”
هو دافع يدفع هؤلاء القائمين إلى نسج حكايات وأساطير حول هذه الأماكن وتصب في غالب الأحيان ضمن مفهوم البركة الربانية أو الجن الرباني، والعلاج الرباني، وفي إمتلاك هؤلاء قدرات وقوى خارقة يستطيعون من خلالها علاج الأمراض الروحية التي تسببها الأرواح الشريرة حسب اعتقادهم، بل ويعالجون حتى الأمراض المستعصية التي لم يجد لها الطب الحديث علاج، كما أن هذه الأماكن تعد البيئة الخصبة لممارسة العديد من الطقوس الغريبة والتي لها قيمة رمزية وقدسية وروحية في نظرهم.
نعم هو مزيج بين واقع مرئي وواقع لا مرئي، واقع تصطدم فيه قوى خفية، الخير والشر، الشيطان والإنسان، ولك حرية تصور هذا العالم الميتافيزيقي في نظرهم…، هو إيمان صلب راسخ في عقول هذه الفئة، وفي نظري الشخصي فإنه يقوم على تفسير وتسبيب الظواهر الإجتماعية والإقتصادية و النفسية والعقلية…إلى سبب وحيد، السحر والشعوذة ونظرية المؤامرة، ويتحول الأمر في غالب الأحيان ويتطور إلى أن يصبح مرض نفسي، حيث يصبح هذا المصدق أو المؤمن مصابا بالبرونويا الرهاب الإجتماعي، الشك، حالة الوسواس، جنون الإرتياب، ويضحي المريض يعيش في حالة من الخوف، خوف من كل شيء، خوف من كل مجهول.
وبهذا يؤمن إيمانا جازما مطلقا بفكرة أن بني جنسه والكيانات الخفية تحيك له الكيد والشر، ويجب عليه الإلتجاء إلى قوى أكبر لتحميه وتقدم له يد العون بمقابل.
ولعل هذا التصديق والإيمان الذي يتبناه هؤلاء، بلا شك عطل ملكة العقل والتفكير، والتحليل والسؤال لديهم، هو رفض للبحث عن الحقيقة، أو على الأقل الإتجاه والسير في طريق الحقيقة إلى حين الوصول إلى الهدف المنشود، وفي رأي الشخصي فهو رفض لتقبل الحقيقة ليس إلا، لأن هؤلاء يحتاجون لمن يدعم أفكارهم ويعشقون سماع ما نسميه باللهجة العامية (خو كلامك).
نعم هي رغبة وشهوة جامحة تبحث عن الإثارة والتشويق بعيدا عن واقعنا وعالمنا هذا، في اتجاه نحو واقع غير مرئي مجهول.
ومن منا لا يقبع بداخله الفضول وحب المجهول والإتجاه نحو الممنوع
وكما يقال “كل ممنوع مرغوب”
حب الناس للمجهول، وتفسير الظواهر الإجتماعية والتي هي في الأصل ترجمة لمجموعة من أفعال وسلوكات الناس وما يعانون منه وما يتعرضون له داخل الوسط الإجتماعي، هذا الوسط الذي يتميز ببنية وتركيبة في غاية التعقيد يجعل العديد من القائمين على هذه الأماكن أو المشرفين على تسييرها يتخذون من هذه البقع “الحج الثاني” الذي يتوافد ويحج إليه الناس من كل بقاع الأرض.
أناس يتكلفون عناء المال ومشقة السفر، هو سفر للبحث عن الحقيقة في نظرهم هم، ولكن في واقع الأمر هي رغبة جامحة لا تشبع أبدا، رغبة دائمة البحث عن جرعة زائدة وأقوى من الكذب وليست مثل سابقتها، هو شرطها.
هؤلاء القائمين الذين يرقصون فوق معاناة وبؤس الآخرين وأقصد على وجه التخصيص من يشرف على هذه الأماكن، ومن يبيعون الوهم من قريب أو بعيد في سبيل تحقيق مصالح شخصية صرفة، ومن يساهمون في نماء هذه الظواهر، و من يدعون امتلاكهم القوى الخارقة الخفية يتخذون من هذه الأماكن أو من هذه الأكاذيب مهنة في خفاء عن الأعين، ولا ننسى أن لهم نصيب من الرغبة الجامحة والتي تترجم على شكل إفتراء، طمع وربح، طمع في الكسب الغير المشروع على حساب معاناة شريحة توقفت لديها ملكة العقل والتحليل، والتفسير والشك والسؤال، بل أصبحوا سجناء ذواتهم التي أضحت بلا عقل ولا إيمان، وأشير إشارة في غاية الأهمية أن هؤلاء يُستعمَلون كأداة من قبل من يبيعون الوهم، من أجل تسويق الخرافة لجلب زبناء آخرين وقد يحلفون لك بالذات الإلهية بأن الشفاء قد زار جسدهم، لكنهم في ولاء دائم للخرافة ومن يبيعها لهم، هم سجناء بدون عقوبة.
المؤمنين بالخرافة هم سجناء لها، معتقلون إعتقالا إحتياطيا ليتحول إلى سجن مدى الحياة، وقد يتحول إلى خلاص، وهذا رهين بالشخص المصدق متى طرق باب الحقيقة، وللوصول إلى باب الحقيقة يجب عليه أولا أن يبحث عن طريق الحقيقية المؤدية إليه ، وهي عين الحقيقية كما سبق وأن ذكرت.
هذه الفئة الضعيفة لا تبحث سوى عن التخلص من علة رافقتها فأصبحت جزء لا يتجزأ منها، ويمارس من يبيع الوهم لهم، نوعا خبيثا من الإستغلال يتخد أشكالا متعددة، إستغلال الجهل، الفقر، المرض، الفضول، حب للمجهول…
الخرافة، الأسطورة لا تعترف بالعقل ولا بالتحليل، ولا بالشك ولا بالسؤال، بل قد تعتبر من يملك هذه الأدوات عدوا لها، الخوارق تتطلب عقلا له قابلية التقبل والإيمان والتصديق للوقائع والأحداث بدون أن يكون هذا الإيمان أو التصديق المطلق مقترنا بالشك ولا بالسؤال، ولا بأدوات أخرى… توصل للحقيقة.

وكما أن الإنسان المريض الذي يعاني من علة لسنوات ولم يجد لها حل، فهو دائم البحث عن العلاج و الدواء، و مهما كان هذا الدواء أو العلاج ومهما كانت طريقة الشفاء، فالمريض يصبح في حاجة ماسة لإيقاف أو التخفيف على الأقل مما يعانيه هو وعائلته.
الرعب و الخرافة والأسطورة مهنة مربحة جدا لديهم، تتطلب نوعا من الإتقان لكل من أدوات الخطاب والتأثير والإقناع والأكاذيب… بل هم في غاية التصديق بما يتفوهون به، فإن كان هذا القائم أو الناشر لايصدق كذبته فكيف سيصدقها الآخر المتلقي لها، فالقائم يصدق أن كل شيء حقيقي و أستحضر في هذا الصدد مثل غربي يقول
“الحقيقة لا تصمد أمام قصة ممتعة”
و بهذا فهم يصدقون الأكاذيب التي تخرج من أفواههم، وقد يتجه البعض إلى الدفاع عن هذه الخرافات والأساطير باعتبارها مكون من مكونات الثقافة الشعبية، و في هذه الحالة نحن لا نختلف في ذلك، وكون أن الإسطورة أو الخرافة لها طعم خاص يضفي نوعا من المتعة والإثارة والتشويق، وقد تعتبر مرجعا للعديد من الكتابات المسرحية والمشاهد السينمائية والقصص والروايات والحكايات الأدبية… والبراءة النقدية…، لكن كل أسطورة هي نقيض الواقع، وقد تتحول هذه الأسطورة إلى أكذوبة لعينة متى تم استغلالها وترويضها واضفاء نوع من الحبكة الدرامية ورشها بقليل من الرعب والسحر، والجن والمؤامرة، والشر بهدف الكسب الغير المشروع أو لأهداف لها أبعاد أخرى.
وخلاصة لهذه الأسطر، فإن الخرافة أصبحث متجذرة في العالم العربي مما أصبح معه يشكل ذاكرة جماعية عربية تشترك في العديد من الأساطير والحكايات، فقد تجد في بعض الأحيان العديد من الدول تتوحد في أسطورة أو حكاية وتختلف في القصة والحبكة، وتخلف في مدى إقتناع وإيمان كل شخص بالقصة، وتختلف لأي مصلحة يتم استغلال تلك الأسطورة، وهنا أشير إلى أمر هام، الإشكالية لا تكمن في الإيمان بل تكمن في أن يصبح هذا الإيمان النسبي أو المطلق لا يقبل النقاش ولا الشك والسؤال، بل وقد يتحول هذا الإيمان ليشمل كما ذكرت سابقا تفسير الظواهر الإجتماعية من منطلق هذه الأساطير والخرافات وفي امتلاك فئة ما قدرات خارقة يرجى منها تحقيق أماني ومكاسب.
لكل زمن أسطورته، وولادة الأسطورة تحتاج فقط إلى ناقل بارع في الإقناع والتأثير على الجمهور، يبسط الأسطورة ويربط بين كل ظاهرة وسبب إجتماعي، وإلى عقل له قابلية التصديق بدون شكل أو سؤال.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.