فاتح ماي.. عيد للوهم..!…..

0 1٬581

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

فاتح ماي ، يوم تعلق فيه الزينة على جثة الشغل ، وترفع فيه اللافتات فوق مقبرة الكرامة.
نحتفل بوظائف غير موجودة ، ونصفق لخطب لا يعمل بها حتى أصحابها ، وحدهم العاطلون يُجبرون على الفرجة ، ووحده الوطن يتظاهر أنه بخير… في حين أن الحقيقة تصرخ تحت الطاولة:
لا شغل!
لا كرامة!!
لا مستقبل!!!
فلتُقرع الطبول إذن… ولتحيا الكذبة ، كذبة «فاتح ماي».

يستيقظ المواطن في كل فاتح ماي ، عل صوت الشعارات والهتافات المنمقة ، يضع شارة حمراء ، ويخرج إلى الشوارع ليحتفل بما ليس له ، ويُصفق لما لا يملكه ، ويهتف بحناجر مجروحة: «يعيش الشغل!» ، بينما هو يعلم ، في سرّه وفي علنه ، أن الشغل قد مات ، وأننا نقيم له كل عام حفلة تأبين جماعية نسمّيها زورا (عيد الشغل).

– أيّ شغل هذا الذي يُحتَفل به؟
– أهو ذلك الطيف البائس الذي يمر أمامنا فلا نكاد نراه؟
– أم هو ذاك السراب الذي تتبعه أفواج العاطلين كما يتبع العطشان خيال الماء في صحراء قاحلة؟
– أم لعله تلك الوظائف التي تأتي بالوصايا ، وتُمنح بالقرابة ، وتُوزع كما توزع الغنائم في غفلة من العدالة؟

في بلدي ، الشغل ليس حقا.. بل حظّ!! والحظّ كما تعلمون ، لا يقف على أبواب الكليات ولا يقرأ الشهادات!!!
هنا لا يُسأل المرء ماذا تعرف؟
بل مَن تعرف؟
لا يُقدّر على أساس كفاءته ، بل يُوزن بعدد ٱتصالاته ، وصلاته ، وٱنحناءاته.

نحتفل بالشغل ونحن نعلم أنه غير موجود ، كمن يُقيم عيد ميلاد لطفل ميت.
نرفع اللافتات ونخطب الخُطب ، ونضع الزهور على قبر الحقيقة. نقابات تتزاحم على الميكروفونات كما تتزاحم الغربان على الجثث ، وكل منها يدّعي تمثيل (الطبقة الشغيلة) ، بينما الواقع يقول إن الطبقة الشغيلة تمشي حافية ، وتنام جائعة ، وتشتغل بلا ضمان ولا تأمين ، وتحيا وتموت دون أن تعرف معنى (العيد).

الإحتفال بعيد الشغل في بلد نصفه عاطل ، ونصفه الآخر يعمل بنصف أجر ، هو قمة السخرية السوداء.
هو مشهد (مسرحي) تُصفق فيه الأكف لغياب العدالة…
تُعلّق الزينة على أبواب الخراب… ويوزع فيه السرور على جموع حزينة…

– كيف نحتفل بالشغل ونحن نعيش في وطن صار الحلم فيه هو الخروج منه؟
وطن يعلم أبناءه كيف يهربون منه قبل أن يعلمهم كيف يعيشون فيه. في المغرب ، لا يحلم الشاب بالوظيفة ، بل بالقارب!
لا يفكر كيف يخدم بلده ، بل كيف ينجو من بلده!!

– أليس من المخجل أن نحتفل في ظل هذا الخراب؟
– أليس من الأجدر أن نعلن الحداد بدل الإحتفال؟
– أن نصمت دقيقة ، لا أن نهتف ساعات؟
– أم أننا بلغنا من الإنفصام حدّا يجعلنا نضحك على فقرنا ، ونرقص فوق جراحنا ، ونصفق لبؤسنا ونحن نحسبه إنجازا؟

من وجهة نظري ، «فاتح ماي» في المغرب ليس عيدا.. بل خدعة موسمية ، يُراد بها تخدير العقول ، وترقيع الفشل ، وبيع الوهم…
ومن يحتفل فيه بالشغل إما:
منافق كبير ، أو ساذج صغير ، أو مضطرّ إلى التمثيل في مسرحية الكذب الوطني.

إذا ، فليُرفع الستار… على مشهد جديد من العبث ، فاتح ماي.. عيد للوهم!

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.