من المصانع إلى الخيام: الصويرة التي أضاعوها .

0 444

 

بقلم: حفيظ صادق

كانت الصويرة يوماً ما مدينة تضجّ بالحركة والعمل، تضم أكثر من عشرين مصنعاً يوفّرون قوت العيش لأكثر من خمسة آلاف عامل. واليوم، تحوّلت هذه المدينة العريقة إلى مسرح مهرجانات موسمية، تنصب فيها الخيام حيث كانت تُقام المصانع. إنه انقلاب في المعنى والوظيفة، من صناعة تُنتج إلى فرجة تُستهلك. في تسعينيات القرن الماضي، كانت التجارة والصناعة في أوجها، والميناء—الذي كان يُعرف قديماً بـ “ميناء تامبوكتو”—شرياناً حيوياً للتصدير والاستيراد، ورمزاً لمكانة اقتصادية راسخة. أما الآن، فقد أُهمل الحي الصناعي، وتحولت بناياته إلى أطلال، تحرسها ظلال الخراب، ويُؤثثها مدمنو الكحول والمخدرات.

من باب دكالة، حيث كانت تنطلق الحافلات والمسافرون، إلى قلب الحي الصناعي، تتبدى اليوم صورة صادمة: لا إنارة، لا طرق، لا شبكات صرف صحي، ولا أدنى مقومات الحياة الكريمة. مشهد أشبه بمدينة قُصفت، لا يختلف كثيراً عن قندهار أو بعض أحياء بيروت في ذروة الحرب الأهلية. قد تبدو هذه المقارنة قاسية، لكنها أقل من الواقع. ماذا حدث للجريفات؟ ذاك الحي الذي تربت فيه أجيال، وكان قلباً نابضاً لاقتصاد المدينة؟ هل كان تهميشه عفوياً؟ أم مخططاً للاستيلاء على الأرض القريبة من كورنيش المدينة؟ أسماء المعامل التي شكّلت تاريخ هذا المكان لا تزال حاضرة في ذاكرة سكانه: دار كاريل ، لومان، لحلو، تشيكو، أكوزال، كوسيبو، بيسكادور، سمارا، معمل الخروب، مطاحن الزيتون والدقيق، وغيرها… كلها ذابت في صمت الإهمال، لتحل محلها خيامٌ للمهرجانات.
اليوم، يعاني شباب الصويرة من البطالة، الساكنة تهاجر، والأسعار تحلّق، بينما يتفشّى التشرد والإجرام. إنها الصويرة التي أضاعوها، والتي نكتب عنها اليوم لعلّ الكلمة تعيد ما أفسدته السياسات الصامتة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.