في ما يلي المقال الذي فاز مناصفة بالجائزة الوطنية الكبرى للصحافة في دورتها السادسة عشرة (صنف الوكالة).
(إعداد: سمية العرقوبي) ” الرباط/ 07 مارس 2018 (ومع) لا يبدو أن من شأن أصداء الاشتباكات الضروس في بوار بجمهورية إفريقيا الوسطى، التي تستدر دمع أشجع الرجال، أن تزعزع رباطة جأش ليوتنان كولونيل خديجة القدامرة، التي ع ينت لتوها رئيسة لخلية التنسيق المدني والعسكري ضمن بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى (مينوسكا)، وذلك في قيادة القطاع الغربي بهذه المدينة الواقعة شمال- غرب العاصمة بانغي. تقول القدامرة في حديث خصت به وكالة المغرب العربي للأنباء، بثقة في النفس لا تخطئها العين، “أنا مرتاحة. إنها مهمة تقع في صلب مهامي الاجتماعية، وليست غريبة عني”. وتضيف العسكرية المغربية الوحيدة ضمن التجريدة المنتشرة في إفريقيا الوسطى، والتي تسعى إلى أن تكون مفخرة لبلدها الذي ع ينت امرأة أخرى منه قبل أشهر، وهي نجاة رشدي، في منصب نائبة الممثل الخاص لبعثة المينوسكا، “لم أعد أبالي بالمخاطر، فكل تفكيري منصب على المهمة الموكلة إلي وعلى الآفاق والفرص المتاحة”. فضلت هذه الجندية الهادئة، التي تؤمن بمهنتها، متسلحة بالحماس وبحبها لعملها، فضلا عما جبلت عليه من حس إنساني، تلقي تدريب لمعرفة ما يجري في جمهورية إفريقيا الوسطى، متحدية بذلك الأفكار المسبقة. ولكي تكون جديرة بهذا العمل المحفوف بالمخاطر، خضعت ليوتنان كولونيل لتدريب عسكري صارم ومتعدد التخصصات، ومن ثم يحق لها أن تفخر بمشوارها المفعم بالتحديات والإنجازات. فعلى خلاف النساء والرجال الذين يبحثون عن كل ما هو سهل، قطعت ابنة مراكش على نفسها وعدا منذ البداية ألا تعبأ بالمخاطر التي قد تصادفها في مشوارها، فكان أن صممت على زرع أسباب الحياة وغرس روح الأمل حيثما حلت وارتحلت. فبعد نيلها شهادة البكالوريا في شعبة الآداب سنة 1988، نجحت خديجة في امتحان الخدمات الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية، وهو ما أهلها لولوج المعهد الوطني للعمل الاجتماعي بطنجة. وفي شهر غشت من عام 1990، عادت القدامرة إلى مركز التدريب للمصالح الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية بالرباط، حيث بدأت تدريبها العسكري قبل أن تغادر إلى فرنسا في إطار دورة تدريبية في مجال الخدمات الاجتماعية ضمن الجيش الفرنسي جنوب فرنسا بثكنة داغوبيرت، حيث توج التدريب بتعيينها في رتبة ملازم ثان. وتقول خديجة، وقد ارتسمت على محياها ابتسامة لطيفة وبنبرة تفيض حيوية “لقد أحببت دائما هذه المهنة وكان والداي يتفهمان هذا الأمر”. وردا على سؤال حول المخاطر التي تنطوي عليها هذه المهنة، تجيب العسكرية بروح الإصرار “لا توجد مهنة تنعدم فيها الإكراهات أو المخاطر (…) إلا أن حبي للمهنة ولما أقوم به يقهر هذه المخاطر”. وعينت خديجة القدامرة في أول مهمة لها ضمن مندوبية الأعمال الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية في بنسليمان، ثم مكلفة بتسوية ملفات المعاشات العسكرية لمدة ثلاثة أشهر في قسم المعاشات والإصلاح إلى غاية شهر دجنبر 1992. كما شغلت خديجة في 1994، منصب رئيس القطب الاجتماعي للأعمال الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية بالخميسات. وفي 1998، استكملت بنجاح تدريبها العسكري في مركز التدريب للمصالح الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية بالرباط، وذلك بعد دورة تكوينية مدتها عشرة أشهر، ثم حصلت على دبلومها العسكري سنة 2001 في أعقاب تكوين دام عشرة أشهر في نفس المركز. وفي 2002، عينت خديجة للاضطلاع بمهمة من ثمانية أشهر في إطار الوحدة الاجتماعية التابعة للتجريدة المغربية. وفي الفترة من شتنبر 2004 إلى يونيو 2005، تابعت خديجة تكوينا عسكريا للقادة بمركز التدريب للمصالح الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية بالرباط. وفضلا عن ذلك، شغلت القدامرة منصب المندوبة العامة لمؤسسة الحسن الثاني للأعمال الاجتماعية لقدماء العسكريين والمحاربين في الخميسات، وهو منصب ظلت تشغله إلى غاية 27 دجنبر 2017، تاريخ تعيينها رسميا ضمن بعثة المينوسكا. وبفضل ما راكمته من تدريب قانوني واقتصادي ونفسي وما تلقته من تكوين في مجال الاتصال، فقد حرصت هذه السيدة المفعمة بالحيوية والحريصة على الإتقان والدقة، خلال آخر مهمة تولتها، على تقديم الدعم المعنوي والمالي والطبي إلى الأشخاص في وضعية هشاشة، والإشراف على مشاريع اجتماعية، بما في ذلك مركب طبي واجتماعي وتربوي. وإلى جانب هذه الدورات التدريبية والتعيينات، شاركت السيدة القدامرة، في غشت من سنة 2003، في عملية “مرحبا”، وهي عملية إنسانية تقوم على مواكبة تنقل المغاربة المقيمين في الخارج بين بلدان الإقامة وبلدهم الأم، وذلك تحت إشراف مؤسسة محمد الخامس للتضامن. كما شاركت في بعثة أممية بالصومال إلى غاية دجنبر 1994، وذلك في إطار الوحدة الاجتماعية التابعة للتجريدة المغربية. وتحكي القدامرة عن هذه التجربة بالقول إنها “كانت مغامرة استثنائية (…) فقد عاينت دقائق الأشياء ووقفت عن قرب على الصعوبات التي تواجهها الساكنة الصومالية”. وأوضحت أن مهمة الوحدة الاجتماعية في هذه البؤرة المشتعلة تمثلت في إجراء دراسات إثنية على السكان لتحديد احتياجاتهم وتحديد أسباب النزاع واقتراح الإجراءات التي يتعين اتخاذها. تحكي خديجة، التي دعيت سنة 2004 للمشاركة في التجريدة المغربية بكوسوفو في إطار الوحدة الاجتماعية، أن الوحدة عملت على توزيع مجموعات ملابس توافق الثقافة المحلية، وقدمت خدمات طبية في إطار المستشفى الميداني وساعدت الأطفال الفقراء والأيتام. ولا تتوقف القدامرة، التي وشحت بعدد من الميداليات منها ميدالية الأمم المتحدة في الصومال وميدالية من حلف شمال الأطلسي في كوسوفو، عن تعميق معارفها في جميع المجالات، حيث تطالع كتبا متنوعة في جميع التخصصات. ودعت ليوتنان كولونيل خديجة القدامرة، التي أعربت عن ارتياحها للمكانة التي تحظى بها المرأة حاليا في صفوف الجيش المغربي، الفتيات اللواتي يطمحن إلى الانخراط في سلك الجندية إلى اختيار التخصص الذي يتوافق مع ميولهن “لأن الجيش المغربي يتميز بالمهنية ويوفر الكثير من الخيارات”. وفضلا عن المطالعة، تهوى خديجة، التي كان يمكن أن تكون صحافية، ممارسة الرياضة وخصوصا كرة المضرب والأيروبيك، كما أنها ماهرة في فن الطبخ. وفيما يتعلق بالألوان المفضلة، تؤثر خديجة اللون البنفسجي، باعتباره لونا روحيا يرمز إلى المعرفة والإيمان، والأبيض، لون التوازن والكمال والسلام ونقاء الروح، والوردي، لون الإنسانية والمودة والتفاؤل. وتمضي خديجة في مسيرتها خدمة للقضايا الإنسانية، متمثلة ما ينتظرها في إفريقيا الوسطى وفي الحياة أيضا في ضوء معتقداتها وحنكتها وتجاربها”.