وسيط المملكة بين الثقة الملكية وانتظار المواطن

0 344

 

بقلم سعيد ودغيري حسني

هناك مؤسسات تولد لأن القانون أراد لها أن توجد وهناك مؤسسات تولد لأن الوطن يحتاج إليها ومؤسسة وسيط المملكة من هذا الصنف الذي لا يمكن اختزاله في بناية أو إدارة أو هيكل تنظيمي لأنها ولدت من فكرة أكبر من الجدران ومن رسالة أوسع من الاختصاصات رسالة عنوانها أن يبقى الإنسان في قلب الدولة وأن يبقى الإنصاف جسرا لا ينقطع بين المواطن والإدارة

ولعل أجمل ما في المغرب الحديث أنه لم يجعل بناء المؤسسات ترفا سياسيا ولا زينة دستورية بل جعلها خيارا استراتيجيا يقوده صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين وهو يؤسس لمغرب يزداد قوة كلما ازدادت مؤسساته مصداقية ويزداد تماسكا كلما شعر المواطن أن الدولة لا تراه رقما في سجل ولا ملفا فوق مكتب وإنما تراه إنسانا له كرامة وله حقوق وله مكانة داخل وطنه

لقد آمن جلالة الملك بأن التنمية ليست إسمنتا وحديدا فقط وأن الطرق والموانئ والمصانع مهما بلغت أهميتها لا تستطيع أن تحقق الغاية الكبرى إذا لم يشعر المواطن أن العدالة تسير إلى جانبه وأن الإدارة لا تتحول إلى عبء على حياته وأن القانون يفتح له الأبواب بدل أن يغلقها في وجهه ومن هنا جاءت فلسفة الإصلاح الإداري وتحديث المرفق العمومي وترسيخ دولة المؤسسات وتعزيز الهيئات الدستورية التي جعلها الدستور شريكا في حماية الحقوق وصيانة الثقة بين الدولة والمجتمع

ومن بين هذه المؤسسات تبرز مؤسسة وسيط المملكة بما تحمله من رمزية خاصة فهي لا تنازع القضاء اختصاصه ولا تنافس الإدارة في صلاحياتها وإنما تمد بينهما خيطا من الحكمة يجعل الحوار ممكنا والإنصاف أقرب والحق أيسر وصولا إلى صاحبه ولذلك فإن الحديث عن هذه المؤسسة ليس حديثا عن إدارة جديدة بل عن فلسفة جديدة في تدبير العلاقة بين السلطة والمواطن وعن إيمان بأن قوة الدولة لا تقاس بما تملكه من وسائل الإلزام وحدها وإنما بما تملكه من قدرة على الإنصاف والإنصات وتصحيح الخطأ حين يقع

وحين تفضل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بتعيين الأستاذ حسن طارق على رأس مؤسسة وسيط المملكة لم يكن الأمر بالنسبة إلي مجرد خبر يمر في نشرة الأخبار ثم يطويه النسيان بل رأيته مناسبة للتأمل في معنى الثقة الملكية وفي حجم المسؤولية التي تضعها هذه الثقة على عاتق من ينالها لأن الملك حين يعين مسؤولا على رأس مؤسسة دستورية فإنه لا يمنحه امتيازا بقدر ما يضع بين يديه أمانة الوطن ويكلفه بخدمة المواطن ويعهد إليه بأن يكون في مستوى الرسالة التي أنشئت المؤسسة من أجلها

ولست هنا بصدد الحديث عن الرجل بقدر ما أتحدث عن المنصب وعن الرسالة لأن الأشخاص مهما علت أسماؤهم يبقون عابرين أما المؤسسات فهي التي تبقى وهي التي تخلد وهي التي تصنع ذاكرة الدول ولذلك فإن ما ينتظره المغاربة اليوم ليس خطابات جديدة ولا عبارات منمقة وإنما ممارسة يومية تجعل المواطن يشعر بأن هذه المؤسسة أقرب إليه من أي وقت مضى وأن بابها مفتوح لكل من ضاقت به السبل وأغلقت في وجهه النوافذ

لقد تغير المغرب كثيرا خلال ربع القرن الأخير واتسعت أوراشه وتعاظمت طموحاته وأصبح مقبلا على استحقاقات كبرى وطنية ودولية غير أن كل هذه الطموحات تحتاج إلى إدارة حديثة تؤمن بأن خدمة المواطن ليست فضلا وإنما واجب وأن حسن الاستقبال ليس مجاملة وإنما ثقافة وأن سرعة معالجة الملفات ليست استثناء وإنما قاعدة وأن احترام الحقوق ليس منحة تمنح وإنما التزام دستوري وأخلاقي

وإذا كانت مؤسسة وسيط المملكة قد أنشئت لتقريب الإدارة من المواطن فإن نجاحها الحقيقي لن يقاس بعدد الملفات التي تتوصل بها ولا بعدد التقارير التي تصدرها وإنما بعدد القضايا التي تجد طريقها إلى الحل وبعدد المواطنين الذين يستعيدون ثقتهم في مؤسساتهم وبعدد الإدارات التي تعتبر توصيات الوسيط فرصة للمراجعة والتطوير لا عبئا يجب التخلص منه

إن المواطن المغربي لا يبحث عن المستحيل ولا يطلب امتيازا على حساب أحد إنه يريد فقط أن يشعر بأن حقه لا يضيع في متاهة الإجراءات وأن كرامته محفوظة وأن صوته يجد من يسمعه وأن هناك مؤسسة إذا تعذر عليه الوصول إلى حقه مدت إليه يدها لا لتخاصم الإدارة وإنما لتساعدها على أن تكون أقرب إلى روح القانون وإلى مقاصده

ولأن الثقة الملكية مسؤولية قبل أن تكون تشريفا فإن سقف الانتظارات يرتفع تلقائيا فكل تعيين ملكي داخل مؤسسة دستورية يوقظ الأمل في نفوس المواطنين ويجعلهم يتطلعون إلى مرحلة أكثر إشراقا وأكثر قدرة على معالجة الإشكالات بروح جديدة وهذا أمر طبيعي لأن المواطن يربط دائما بين الإرادة الملكية في الإصلاح وبين أداء المؤسسات التي أوكل إليها تنفيذ هذه الرؤية على أرض الواقع

ولعل المرحلة المقبلة تمنح مؤسسة وسيط المملكة فرصة ثمينة لتعزيز حضورها داخل المجتمع عبر مزيد من القرب من المواطنين ومزيد من الانفتاح على مختلف الفاعلين ومزيد من الجرأة في الدفاع عن مبادئ الحكامة الجيدة وترسيخ ثقافة الإنصاف داخل الإدارة حتى يصبح الاحتكام إلى العدالة الإدارية سلوكا يوميا لا استثناء تفرضه الظروف

إنني حين أكتب عن مؤسسة وسيط المملكة لا أبحث عن الإشادة ولا أمارس النقد من أجل النقد وإنما أكتب لأنني أؤمن أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تفتح نافذة للأمل وأن المؤسسات تكبر حين تجد من يتابعها بمحبة ووعي وإيمان برسالتها وأن المسؤول الحقيقي هو الذي يعتبر الانتظارات الكبيرة حافزا للعمل لا عبئا عليه

سيظل المواطن دائما هو المقياس الحقيقي لنجاح أي مؤسسة فإن عاد من بابها وهو يشعر أن كرامته صينت وأن حقه وجد طريقه إلى الإنصاف فقد نجحت المؤسسة في أداء رسالتها وإن خرج وهو أكثر ثقة في دولته وأكثر يقينا بعدالة وطنه فقد ربحت الدولة كلها لأن الثقة هي الرصيد الذي لا يقدر بثمن وهي الأساس الذي تبنى عليه كل مشاريع التنمية وكل رهانات المستقبل

إن المغرب الذي يقوده صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله اختار منذ سنوات أن يجعل من الإنسان محور التنمية ومن المؤسسة ركيزة الاستقرار ومن سيادة القانون عنوان الدولة الحديثة ولذلك فإن مؤسسة وسيط المملكة ليست تفصيلا في هذا البناء الكبير وإنما حجر أساس فيه لأنها تحرس قيمة من أسمى القيم وهي الإنصاف وتدافع عن معنى من أنبل المعاني وهو أن يشعر كل مواطن بأن وطنه لا يتركه وحيدا حين يطرق باب حقه

وبين الثقة الملكية التي تؤسس للمسؤولية وبين انتظار المواطن الذي يمنحها معناها الحقيقي تمتد رسالة وسيط المملكة رسالة لا تحتاج إلى ضجيج بقدر ما تحتاج إلى عمل هادئ صادق يجعل الناس يرون أثرها في حياتهم اليومية ويشعرون أن هذا الوطن كلما تقدم في العمر ازداد قربا من أبنائه وازداد وفاء لوعد قطعه على نفسه أن يكون الإنسان فيه دائما هو البداية وهو الغاية

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.