محاربة الغش بين تكافؤ الفرص والحقوق الفردية: هل نحتاج إلى مراجعة فلسفة الامتحان؟

0 23

مولاي بوبكر الشريف: بيان مراكش

تُقدَّم محاربة الغش في الامتحانات عادة باعتبارها ضرورة لضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين وحماية قيمة الشهادات العلمية. فالغش يخل بمبدأ الاستحقاق ويمنح أفضلية غير مشروعة لمن يلجأ إليه على حساب من اجتهد واعتمد على قدراته الذاتية. لذلك يبقى التصدي له مطلباً مشروعاً تسعى إليه مختلف الأنظمة التعليمية.
غير أن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند حدود محاربة الغش، بل يجب أن يمتد إلى الوسائل المعتمدة لتحقيق هذا الهدف ومدى انسجامها مع الحقوق والحريات الفردية. فكلما اتجهت الإجراءات نحو مزيد من المراقبة والتشديد، يبرز التساؤل حول حدود التوازن بين حماية نزاهة الامتحان واحترام كرامة التلميذ وخصوصيته وراحته النفسية.
وفي هذا السياق، يرى بعض المهتمين أن الإفراط في المقاربة الأمنية قد يخلق نوعاً من الضغط الفكري والنفسي على المترشحين، خاصة عندما تتحول فترة الامتحانات إلى حالة استثنائية يسودها التوجس والشك. فالتلميذ الذي يقضي سنوات من الدراسة قد يجد نفسه أمام أجواء مشحونة بالخوف من الخطأ أو الاشتباه، أكثر من انشغاله بإبراز معارفه وكفاءاته.
كما يثير الموضوع إشكالية أخرى تتعلق بالتعميم الخاطئ للعلاقة بين النجاح الدراسي والتنمية الذاتية أو العلمية. فغالباً ما يُختزل مستقبل الفرد في الحصول على شهادة الباكالوريا، وكأنها المعيار الوحيد للنجاح والتفوق. والحال أن التنمية الذاتية والعلمية مسار أوسع بكثير من امتحان أو شهادة، وتشمل المهارات العملية والإبداع والقدرة على التعلم المستمر والتكيف مع متطلبات الحياة وسوق الشغل.
ومن جهة أخرى، ينظر كثير من التلاميذ إلى الباكالوريا باعتبارها عبئاً نفسياً واجتماعياً كبيراً، لأنها تحولت في المخيال الجماعي إلى بوابة حاسمة تحدد مصير الإنسان المهني والاجتماعي. بينما يفترض أن تكون في الأصل مرحلة انتقالية ضمن مسار تعليمي وتكويني أوسع، وليست نهاية المطاف أو المقياس الوحيد للكفاءة والنجاح.
لذلك فإن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية محاربة الغش، بل أيضاً بكيفية إعادة الاعتبار لوظيفة المدرسة والامتحان. فكلما نجح النظام التعليمي في ترسيخ ثقافة التعلم والابتكار وتعدد مسارات النجاح، تراجع الضغط المرتبط بالشهادات، وأصبح الامتحان وسيلة للتقييم لا مصدراً للخوف أو وسيلة لتحديد قيمة الإنسان.
إن تحقيق تكافؤ الفرص يظل هدفاً مشروعاً لا نقاش فيه، لكن الوصول إليه يقتضي الجمع بين النزاهة والإنصاف واحترام الحقوق الفردية، مع العمل على بناء مدرسة تجعل من المعرفة قيمة قائمة بذاتها، لا مجرد جسر إجباري نحو شهادة أو وظيفة. فالتحدي الحقيقي ليس فقط منع الغش، بل بناء منظومة تعليمية تقل فيها دوافع الغش من الأصل، لأن المتعلم يصبح مقتنعاً بقيمة ما يتعلمه وبجدوى الجهد الذي يبذله.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.