فضيحة الأجهزة… حين سقط الغش في حضن الوزارة!…..

0 265

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في مشهد يكاد يلخص عبث المرحلة، قررت “وزارة التربية الوطنية” أن تخوض حربا ضروسا ضد الغش… لكن ليس بإصلاح المنظومة، ولا بإعادة الإعتبار للمدرسة العمومية، بل عبر (صفقة تكنولوجية) باهظة الكلفة، عنوانها العريض “أجهزة كشف الغش!”.

 

ٱختار الوزير “برادة” أن يواجه أزمة عميقة الجذور بسطح إلكتروني لامع، فتم ضخ أموال طائلة لٱقتناء معدات يفترض أنها ستعيد الإنضباط إلى قاعات الامتحان!

غير أن اليوم الأول من الإختبارات لم يكشف عن حالات غش بقدر ما كشف عن عطب أعمق:

«عطب القرار، وعطب التقدير، وعطب الحكامة».

غير أن الصورة المتداولة من داخل إحدى قاعات الإمتحان جاءت لتختصر كل شيء:

«تلميذة تحاول التركيز وسط قاعة مهترئة، وطاولة مدرسية متآكلة تكاد تشهد على أجيال متعاقبة، بينما يقف فوقها شخص يحمل جهازا ذكيا كأنه مسدس رشاش، في مشهد يختلط فيه التفتيش بالٱرتباك!».

لكن المفارقة الأشد قسوة ليست في الجهاز… بل في الطاولة.

نعم، الطاولة.

طاولات من (العهد الحجري) بكل ما تحمله الكلمة من معنى:

«خشب مهترئ، سطح متآكل، بيئة لا تمت بصلة لكرامة التلميذ ولا لشروط التعلم السليم…».

ومع ذلك، تصرف الملايين على أجهزة متطورة لكشف الغش، وكأن المشكلة في التلميذ لا في الفضاء الذي يمتحن فيه ولا في المناهج التي أكل عليها الدهر وشرب.

– أي منطق هذا الذي يضع التكنولوجيا في الواجهة… ويترك البنية التحتية في الهامش؟

– أي إصلاح هذا الذي يلمع السطح… ويهمل الأساس؟

 

إنها مفارقة فاضحة:

«دولة تستثمر في مراقبة التلميذ، لكنها لا تستثمر في كرامته!».

تحارب الغش بأجهزة حديثة، لكنها تترك التلميذ يكتب فوق طاولة بالكاد تصلح للجلوس، في بيئة لا تحفز على التعلم بقدر ما تكرس الإحباط.

ولأن العبث لا يكتمل إلا بتفاصيله، فإن مشهد قاعات الإمتحان لا يقف عند حدود الطاولات والأجهزة، بل يمتد إلى سلوك بعض طواقم الحراسة.. صرامة مصطنعة، وجوه عابسة، ونظرات متوجسة، وكأن التلميذ متهم إلى أن تثبت براءته.

بدل أن تكون القاعة فضاء للٱختبار، تتحول إلى ما يشبه غرفة ٱستنطاق، حيث يثقل كاهل التلميذ بضغط نفسي مضاعف:

«ضغط الإمتحان… وضغط الجو المشحون بالترهيب».

– أي رسالة نزرعها في نفس شاب في عمر الزهور، حين نستقبله بوجوه مكفهرة وكلمات تحذير ووعيد؟

– كيف نطالبه بالتركيز والإبداع، ونحن نضعه في مناخ أقرب إلى السجن منه إلى المدرسة؟

 

مثل هذه النماذج لا تحارب الغش، بل تغذي النفور، وتسهم بشكل غير مباشر في الهدر المدرسي، وتزرع بذور السخط على المدرسة، وعلى التعليم، بل وحتى على المدرسين أنفسهم.

والأدهى من ذلك، أن جزءا يسيرا جدا من تلك الملايين التي أهدرت على الأجهزة، كان كفيلا بصناعة فرق حقيقي:

«ٱستقبال التلاميذ صباح الإمتحان بٱبتسامة عريضة، بكلمات تشجيع، بقطع من الشوكولاتة والتمر، بقنينات ماء صغيرة، بإحساس بسيط بأنهم مرحب بهم لا مدانين مسبقا…»

فرق شاسع بين من يربي الثقة… ومن يدير الخوف.

لكن المفارقة الأكثر فجاجة، والتي يتداولها الشارع بلغة ساخرة لاذعة، أن هناك من عبروا مساراتهم الدراسية بشهادات وماسترات ودكتوراه تحوم حولها علامات ٱستفهام، بل وتتهم أحيانا بأنها ولدت في بيئات لا تشبه الجهد العلمي في شيء.. ومع ذلك، لم تسلط عليهم أجهزة التفتيش، ولم يخضعوا لأي (مسح إلكتروني للنزاهة)، في المقابل، يحاصر التلميذ البسيط داخل قاعة الإمتحان بأجهزة دقيقة، وكأنه الخطر الأكبر الذي يهدد المنظومة…

– أي رسالة نبعثها إلى هذا التلميذ؟

– أن الغش جريمة فقط عندما يكون صغيرا وضعيفا؟

– وأن النزاهة مطلوبة فقط ممن لا يملكون وسائل الإلتفاف عليها؟

 

إن هذا التناقض الصارخ لا ينتج سوى فقدان الثقة، ويغذي شعورا عميقا باللاعدالة.

لقد تحولت هذه الأجهزة، في أول ٱمتحان حقيقي لها، إلى شاهد صامت على فشل تدبيري ذريع:

«لا هي كشفت الغش كما وعد، ولا هي أقنعت الرأي العام بجدواها» بل بالعكس، عرت هشاشة مقاربة تصر على معالجة الأعراض وتغض الطرف عن المرض.

 

في النهاية، نحن أمام مشهد سريالي مكتمل الأركان:

✓أجهزة ذكية… فوق طاولات بليدة،

✓صرامة قاسية… في غير محلها،

✓وإصلاح ينفق على (الكشف)… لكنه يعجز عن (الاحتواء).

وهنا تكمن المأساة الحقيقية… حين نفشل في أنسنة المدرسة، ثم نتساءل لماذا يفشل التلميذ في حبها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.