✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في مشهد لا يخلو من طرافة مرة، خرج تصريح من قبل المسؤول الأول عن التعليم يقول فيه ما معناه:
«على التلميذ أن يفهم النمذجة، وأن يعرف ماذا يفعل لكي يفهم كيف يفعل!».
عبارة تبدو وكأنها دارت دورة كاملة حول نفسها ثم عادت إلى نقطة البدء، تاركة المستمع بين حيرتين: حيرة الفهم… وحيرة ما الذي كان ينبغي فهمه أصلا.
ليست المشكلة في الفكرة، لكن المعضلة تبدأ حين تتعثر الفكرة في الطريق إلى اللسان، فتخرج إلى الناس في هيئة ملتبسة، أقرب إلى لغز لغوي منها إلى توجيه تربوي.
وهنا تقع المفارقة:
– كيف نطلب من التلميذ وضوح التفكير، بينما يصل إليه خطاب عمومي مربك من أعلى هرم المنظومة؟
السخرية، في مثل هذه الحالات، ليست ترفا ولا شهوة للتقليل، بل رد فعل طبيعي على ٱختلال في التناسب: وزارة تفترض فيها قيادة البيان، فإذا بالبيان نفسه يحتاج إلى درس في البيان.
والأدهى أن الأمر لا يبدو زلة عابرة، بل حلقة ضمن سلسلة من تعثرات مماثلة، بطل سلسلتها السيد رئيس الحكومة… ما يحول الخطأ من حادث عرضي إلى سمة تواصلية تطرح أسئلة أعمق.
فالخطاب التعليمي ليس مجرد واجهة، بل هو جزء من الفعل التربوي نفسه.
الكلمات التي تقال في البرلمان أو في المنابر العمومية ليست للزينة، بل لتأطير الفهم، وتوجيه النقاش، وبناء الثقة.
وحين تختل دقة التعبير، تختل معها بوصلة الرسالة، فيضيع المعنى بين نية حسنة وصياغة سيئة.
ثم إن الحديث عن (النمذجة) و(المنهجية)، يظل جميلا على الورق، لكنه يفقد بريقه إن لم يترجم داخل الفصول (في درس واضح، وتمرين دقيق، وأستاذ مواكب، وتلميذ يجد في المدرسة معنى لما يتعلمه). أما الإكتفاء بتعابير ملتبسة، فهو كمن يرسم خريطة بلا مفاتيح، ثم يلوم المسافرين لأنهم لم يحسنوا قراءة الطريق.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من وضوح الرؤية، ووضوح الرؤية يمر حتما عبر وضوح اللغة.
فالتعليم، في نهاية المطاف، ليس فقط ما ندرسه، بل كيف نقوله أيضا.
وإذا كانت (النمذجة) تعني تبسيط المعقد، فإن أول ٱختبار لها هو أن تنجح في تحويل الفكرة إلى عبارة يفهمها الجميع… دون الحاجة إلى (نمذجة) جديدة لفهم التصريح نفسه.