*حرمة الموتى وحماية الذاكرة الجماعية!* .

0 209

 

 

✍🏼بقلم: _الكاتب الصحفي_

[*ذ.هشام الدكاني*]

 

تشكل المقابر الإسلامية، بٱعتبارها مستودعا للذاكرة الجماعية ورموزا للسكينة والوقار، رصيدا روحيا وٱجتماعيا لا يقدر بثمن، غير أن التوسع العمراني والضغط العقاري المتزايد في ضواحي الحواضر الكبرى بات يفرز تحديات قانونية وعقارية خطيرة، لعل أبرزها تلك المحاولات المتكررة للسطو على أراضي المقابر التاريخية عبر ٱستغلال ثغرات مساطر التحفيظ العقاري وتقديم وثائق متناقضة.

 

وفي هذا السياق، يبرز الخلاف القائم حول مقبرة “سيدي سعيد الكوط” الكائنة بتراب جماعة سعادة بإقليم مراكش، كنموذج مقلق يعكس حجم المخاطر التي تهدد العقارات الوقفية والمقابر التاريخية التي يتجاوز عمرها قرنا من الزمن.

فالواقع الميداني والتاريخي لهذه المعالم يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أننا أمام فضاءات دفن فيها مئات المسلمين عبر أجيال متعاقبة، مما يضفي عليها طابعا عينيا وعموميا يحصنها بحكم القانون والأعراف المرعية ضد أي تصرف فردي أو محاولة تمليك.

من الناحية القانونية، يطرح اللجوء إلى وسائل إثبات مدنية، مثل “رسم البيئة والتصرف” أو وصلات ضريبية غير دقيقة النطاق، إشكاليات مسطرية جسيمة أمام المحافظة العقارية والقضاء.

ذلك أن المادة العقارية ذات الصبغة العامة أو المرتبطة بالمقابر تخضع لقواعد آمرة تحمي النظام العام والعقارات المخصصة للمنفعة العامة والشعائر الدينية، وإن محاولة إقحام وثائق قد تنطبق على أملاك خاصة وتكييفها زورا لتشمل مقابر تاريخية تضم قبورا عمرها مائة سنة، يمثل خرقا سافرا لمقتضيات الحماية القانونية المخولة للمقابر.

لقد أبدى سكان المنطقة والفعاليات الجمعوية المحلية يقظة مشهودة في التصدي لهذه المحاولات عبر سلوك مساطر الطعن القانونية، مدعومين بتدخلات السلطات المحلية والدرك الملكي، كلما سجلت تجاوزات تمس بحرمة القبور أو محاولات بناء عشوائية داخل محيط المقبرة.

غير أن حماية هذه المكتسبات الروحية والتاريخية لا تقتصر على المجهود المدني وحده، بل تتطلب تدخلا مؤسساتيا حازما.

وفي هذا الصدد، تبرز المسؤولية القانونية والأخلاقية الملقاة على عاتق الجهات الوصية، ولا سيما نظارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بوصفها الجهة المعنية، مما يفرض عليها الإنخراط الفاعل عبر تصعيد الدفع القانوني وتعيين محام للدفاع عن وحدة هذه العقارات في مساطر التحفيظ الجارية، وضمان عدم الإلتفاف على الحقوق العينية العامة.

 

إن حماية المقابر ليست مجرد إجراء إداري، بل هي ٱختبار حقيقي لمدى نجاعة المنظومة القانونية في حماية الذاكرة الجماعية وردع كل محاولات التحايل العقاري.

ولن يتحقق الأمن العقاري بالمنطقة إلا بتظافر جهود السلطات القضائية، والإدارية، ومكونات المجتمع المدني، لترسيخ سيادة القانون، وترتيب الجزاءات الصارمة في حق كل من تثبت تورطه في التزوير أو محاولة المساس بحرمة الموتى.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.