جنيف 2026: سمير بوزيد بين “ديفلوبمنت 2030” ورسالة دولية وجهت إلى 192 دولة طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد

0 2٬677

ليس كل حضور يحتاج إلى منصة، وليس كل فاعل يحتاج إلى بطاقة “متحدث” ليكون حاضراً في قلب المشهد. ففي جنيف، حيث تحتضن قاعة “باليكسبو” أيام 21 و22 أكتوبر 2026 أكبر تجمع إنساني عالمي تحت اسم “أيدكس” (AidEx) بموازاة فعالية “ديفلوبمنت 2030″، ينعقد هذا الحدث بمشاركة آلاف المتخصصين من أكثر من 90 دولة، بمشاركة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) والاتحاد الأوروبي والصليب الأحمر الدولي. يتضمن المعرض أجنحة تفاعلية، وورشات تدريبية، ومنصات لتتبع التمويل الإنساني، وجلسات نقاشية رفيعة المستوى، إلى جانب إطلاق تقارير سنوية وتوقيع شراكات لتعزيز الاستجابة للطوارئ. وفي هذا السياق، يحضر سمير بوزيد، الكاتب العام لمركز العدالة وحقوق الإنسان، كزائر بعد قبول طلب حضوره، وحصوله على بطاقة إلكترونية ورقم تعريفي، حاملاً فضولاً معرفياً لا يقل أهمية عن أي خطاب يُلقى من على المنصة.

مما لا شك فيه أن هذا المشهد يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لفاعل جمعوي أن يصنع فارقاً؟ فالمعرض، الذي يُقام تحت شعار “جعل المساعدات الإنسانية أكثر صموداً في المستقبل”، ليس مجرد واجهة استعراضية، بل مختبر مفتوح للحكامة، تُناقش فيه آليات تتبع التمويل، وتُعرض نماذج المحاسبة المجتمعية من كينيا ونيجيريا، وتُطرح أسئلة محرجة حول شفافية المليارات التي تتدفق إلى مناطق الكوارث، ودور المدققين المستقلين في كشف الاختلالات، فضلاً عن استعراض آليات الرقابة التي تعتمدها المنظمات الإنسانية الكبرى. وهنا تكمن المفارقة: بينما يتحدث الخبراء على المنصات، يقف الفاعل الجمعوي في الخلف، يدوّن، يسأل، يقارن، ويستخلص، فيما تتجاوز المخرجات بناء شراكات جديدة واستكشاف حلول تمويلية مبتكرة.

واستناداً إلى ما سبق، يتبين أن حضور بوزيد* لم يأت من فراغ، بل امتداد لمسار تصاعدي، إذ وقّع على رسالة دولية موجهة إلى الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، جمعت 521 منظمة من 125 دولة، بينها منظمات دولية كالشفافية الدولية، ومراكز بحثية، وهيئات حقوقية وبيئية، ومنصات صحفية استقصائية، واتحادات مهنية من قارات العالم، مع تمثيل قوي لدول إفريقية كنيجيريا وكينيا، وعربية كمصر وتونس والأردن، إضافة إلى دول أوروبية وأمريكية وآسيوية. هذا التوقيع يجعله جزءاً من تحالف طالب بإصلاح آلية مراجعة تنفيذ الاتفاقية، خاصة في ضوء مخرجات المؤتمر الحادي عشر للدول الأطراف (CoSP11) الذي انعقد في الدوحة (15-19 ديسمبر 2025). هو، إذن، يأتي ليعاين بنفسه كيف تُمارس الحوكمة في أضخم منصة إنسانية، وكيف يمكن لتجارب الآخرين أن تغني نقاشاً وطنياً حول مكافحة الفساد.

وتأسيساً على ذلك، تصبح القضية ليست في الصفة، بل في الاستراتيجية. ففي بلد كالمغرب، حيث تشهد مؤشرات الشفافية تراجعاً، يصبح حضور فاعل مدني في جنيف فعلاً سياسياً بامتياز، إعلاناً أن المعرفة تُبنى بالتماس المباشر مع الممارسات الفضلى، لا بالبيانات الرسمية وحدها.

وعلى العكس من ذلك، يرى البعض أن هذا الحضور الفردي، مهما بلغت قيمته المعرفية، يظل محدود النطاق مقارنة بالمشاركات الرسمية، كما أن تكاليف السفر والإقامة التي يتحملها الفاعل بنفسه تطرح تساؤلات حول استدامة مثل هذه المبادرات. وهنا يبرز سؤال أخلاقي: كيف لمناضل يطالب بشفافية المال العام أن يواصل الاعتماد على إمكانياته الشخصية؟ بل هل يكفي النقل غير المباشر للوثائق، أم أن الوقوف داخل القاعة ضروري؟

ولا مناص من القول إن الإجابة تتوقف على طبيعة الهدف من الحضور. فليس المطلوب تضخيم الصورة ولا تقليصها، بل قراءة ذكية لدينامية فاعل مدني يدرك أن التغيير يبدأ من الفهم العميق لكيفية عمل المنظومات الدولية، ثم ترجمتها إلى لغة محلية قابلة للتطبيق. هو رهان على العولمة المعرفية، مشروط بقدرته على تحويل المعرفة إلى أفعال ملموسة.

وعليه، في المشهد الختامي لجنيف، سيكون بوزيد واحداً من آلاف الزوار، لكنه ربما واحد من القلائل الذين سيحملون معهم رؤية جديدة لمحاربة الفساد: رؤية من يعرف أن الشفافية لا تبدأ من القوانين فقط، بل من القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة في المكان الصحيح، ومن إشراك المجتمع المدني كشريك أصيل في الرقابة والمتابعة، تماماً كما ورد في الرسالة الدولية التي وقّع عليها. وربما، في النهاية، يكون الفاعل الجمعوي هو الأكثر تأثيراً، ليس لأنه يتحدث بصوت عالٍ، بل لأنه يسمع بعناية، ويرى بتفصيل، ويعود بأكثر مما جاء به، حاملاً قناعة بأن أي إصلاح يظل ناقصاً ما لم يُفسح المجال أمام صوت المجتمع المدني.

* سمير بوزيد مهتم بقضايا حماية المال العام ومحاربة الفساد.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.