*القيادة السياسية ورهانات صواب الحكم
: *الكايـروس ف اختبار التحيزات المعرفية*
*وهمُ البصيرة في القيادة السياسية*
*حين يختلط الإدراك بامتلاك* *الحقيقة* 1/4
بقلم: *الدكتور محمد محاسن*
*تلخيصا*
يفتتح هذا المقال سلسلةً أضعها تحت العنوان المؤطر التالي : القيادة السياسية ورهانات صواب الحكم الكايـروس في اختبار التحيزات المعرفية تتناول القيادة السياسية في ضوء التحيزات المعرفية، من خلال مساءلة افتراضٍ شائع مفاده أن القائد، بحكم موقعه وما يتوفر له من معطيات، يكون أقدر على رؤية الواقع وفهمه. بيد أن التجربة السياسية تكاد تكشف أن الإشكال لا يكمن دائمًا في نقص المعلومات، بل في الطريقة التي تُبنى بها صورة الواقع في ذهن صانع القرار. فالقرار لا يصدر عن الوقائع في حالتها المباشرة، وإنما عن تمثلات لها، تتشكل عبر الانتقاء والتأويل وإعادة التركيب. ومن هنا، يتجه التحليل إلى إبراز أن الخطر لا يكمن في غياب الرؤية بقدر ما يكمن في الاطمئنان إلى اكتمالها، بما يحمله ذلك من عيب الانزلاق نحو يقينٍ سابق لأوانه.
*الكلمات المفاتيح*
القيادة السياسية؛ الإدراك؛ التحيزات المعرفية؛ القرار؛ التأويل؛ الحكم الاستراتيجي.
*ملاحظة تأطيرية*
يشكّل هذا المقال مدخلًا لسلسلة تبحث في شروط الحكم السياسي في سياقات تتسم بالتعقيد وعدم اليقين، ويضع أساسها المفاهيمي من خلال تفكيك العلاقة بين الإدراك والقرار.
1. *البصيرة بوصفها افتراضًا لا مسلّمة*
يرتبط تصور القيادة السياسية، في كثير من الأدبيات، بفكرة الرؤية النافذة والقدرة على الإحاطة. كما يُفتَرض ضمنًا أن من يشغل موقع القرار يمتلك فهمًا أوسع للواقع، بحكم ما يتوفر له من معطيات وقنوات إحاطة غير متاحة لمن دونه.
لكن التجربة السياسية تكشف حدود هذا الافتراض، حيث إن وفرة المعلومات لا تقود بالضرورة إلى دقة الفهم، كما أن القرب من مركز القرار لا يضمن سلامة التقدير. كثيرًا ما يتشكل الحكم داخل إطار إدراكي يمنح بعض العناصر وزنًا أكبر من غيرها، ويُخضعها لمنطق تفسير معين.
وعليه، فإن البصيرة لا تظهر كمعطى جاهز، بل كحصيلة بناءٍ قد تتداخل فيه عناصر القوة ومواطن القصور في نفس الآن.
2 *. الواقع كما يُعاد تشكيله في الإدراك*
إن الفاعل السياسي لا يتعامل مع واقعٍ معطى في صورته المباشرة، بل مع صورةٍ عن ذلك الواقع؛ صورة تتشكل عبر مسارات متداخلة من الانتقاء والتأويل. فالمعطيات التي تصل إلى دوائر القرار تمر عبر مؤسسات، وتُقرأ ضمن أطر، وتُدرج داخل سرديات، قبل أن تستقر في صيغة تبدو متماسكة.
وهكذا، فإن القرار لا يُبنى على الوقائع في ذاتها، بل على تصور للوقائع. هذا التصور لا يخلو من انحيازات، بعضها ظاهر وبعضها يتخفى في هيئة بديهيات لا تستفز الفضول ولا تُسائل.
فكلما غاب الوعي بهذه الوساطة، ترسخ الاعتقاد بأن ما يُرى يعكس الواقع كما هو، لا كما أُعيد تشكيله. وهنا تبدأ المسافة في الاتساع بين الواقع وصورته دون أن يكون ذلك واضحًا وملفتاً للانتباه.
3. *وفرة المعطيات وحدود الفهم*
لعل التحليل الشائع يميل أكثر إلى اختزال الخطأ السياسي في نقص المعلومات، وكأن توسيعها يكفل تفاديه. غير أن التجربة تكشف أن كثافة المعطيات لا تؤدي بالضرورة إلى وضوح أكبر، بل قد تعزز بعض القناعات بدل أن تُخضعها للمراجعة والمساءلة.
فحين تتراكم المعلومات دون مساءلة المرجعيات المؤطرة لقراءتها، يغدو من السهل إعادة تأكيد ما هو قائم، بدل تفحّصه ومراجعته. وهكذا، يتحول فائض المعطيات إلى عامل تثبيت، لا إلى أداة كشف من شأنه أن يقود إلى إعادة النظر وحتى تغيير الرؤية.
ومن ثم، فإن الإشكال لا يكمن في ما يتوفر من معلومات، بل في الكيفية التي يُعاد بها ترتيبها داخل منظومة إدراكية تمنحها معناها و تُقر حدودها.
4. *حين يتحول الوضوح إلى مصدر تضليل*
إن الخطأ في الحكم السياسي لا يظهر دائمًا في صورة تردد أو ارتباك، بل قد يتخذ شكل وضوحٍ مفرط. ففي لحظة معينة، تتماسك القراءة، وتبدو عناصرها منسجمة؛ وقتها يتولد شعور باكتمال الصورة.
بيد أن هذا الإحساس بالاكتمال قد يسبق شروطه. إذ تتراجع في تلك اللحظة قابلية الفحص، وتُهمّش القراءات البديلة، ويُنظر إلى الاعتراض باعتباره خروجًا عن النسق.
وهكذا، لا يكمن الخطر في غياب الوضوح، بل في تحوله إلى يقين غير ممحّص، يغلق الباب أمام ما قد يكشفه النظر المتجدد.
5 *. الحكم السياسي بوصفه ممارسة للتمييز*
إنها ملاحظات تؤدي إلى إعادة النظر في معنى القيادة. فالقيادة ليست مجرد قدرة على الحسم، بل هي قبل ذلك قدرة على تمييز ما يستحق أن يُبنى عليه القرار.
ويتحقق هذا التمييز في سياق تتداخل فيه المعطيات، وتتعدد فيه التأويلات، وتظل فيه الصورة مفتوحة على احتمالات مختلفة. ومن ثم، تتحدد قيمة القائد بقدرته على مقاومة الانغلاق المبكر، وعلى إبقاء مساحة كافية للمساءلة دون أن يفقد القدرة على الفعل.
6 *. نحو وعيٍ بشروط الإدراك*
إنني لا أروم من هذا التحليل نفي إمكان البصيرة، بل أحث على ضرورة إعادة تأطيرها ضمن شروط أكثر دقة. فالقائد لا يكون بصيرًا لأنه يرى أكثر، بل لأنه يعي حدود ما يرى، ويُدرك أن إدراكه يظل جزئيًا، وأنه يحتاج إلى ما يوسّعه ويصححه باستمرار.
وبهذا المعنى، تتحول القيادة من ادعاء امتلاك الرؤية إلى اشتغال متواصل على شروطها.
ومن هذا الأفق، يبرز سؤال تالٍ: كيف ينغلق الإدراك رغم وفرة المعطيات؟ وكيف تتقلص زاوية النظر دون أن يثير ذلك الانتباه فيُلتفت إليه؟
هذا ما سأتناوله في المقال الثاني من هذه السلسلة من خلال تحليل أثر النفق بوصفه أحد أبرز مظاهر هذا الانغلاق.
*عود على بدء*
يتبيّن إذن، أن التحدي الأساس في القيادة السياسية لا يتمثل في امتلاك المعلومات، بل في تحويلها إلى فهمٍ متماسك دون الوقوع في أسر يقينٍ سابق لأوانه.
فالقرار لا يُبنى على الواقع في ذاته، بل على صورةٍ عنه، وهذه الصورة تظل قابلة للمراجعة كلما اتسعت زاوية الإدراك. ومن ثم، فإن الرشد في القيادة لا يتحقق بالاطمئنان إلى وضوح الرؤية، بل بالحفاظ على قابليتها لإعادة النظر.