الحرية لا تنفصل عن المسؤولية.

0 45

 

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

ليست الحرية كلمة ترفع كشعار، ولا مطلبا يختزل في الهتاف أو الإحتجاج أو حتى في النصوص الدستورية، بل هي منظومة متكاملة، لا تكتمل إلا بوجهها الآخر: *المسؤولية*.

فالحرية التي تفهم خارج هذا الإطار تتحول بسهولة إلى فوضى، كما أن المسؤولية التي تفرض دون حرية تصبح قيدا خانقا لا ينتج إلا الخضوع.
إن الحديث عن الحرية في أي مجتمع يفرض طرح سؤال جوهري:
– هل نحن مستعدون لتحمل تبعاتها؟

لأن الحرية الحقيقية ليست فقط أن تقول ما تريد، بل أن تدرك أثر ما تقول، وليست فقط أن تفعل ما تشاء، بل أن تتحمل نتائج ما تفعل.
هنا تحديدا تتجلى قيمة المسؤولية، بٱعتبارها الضامن الأخلاقي والعملي لممارسة الحرية بشكل ناضج.
في واقعنا اليوم، نلاحظ نوعا من الخلط الخطير بين الحرية والٱنفلات.
فبٱسم حرية التعبير، تنتهك أحيانا كرامات الآخرين، وتروج الإشاعات، وتستعمل المنصات الرقمية كساحات للتجريح بدل النقاش.
وبٱسم الحرية الفردية، يبرر التهرب من الواجبات، سواء داخل الأسرة أو في الفضاء العام أو في مواقع العمل.
هذا الفهم القاصر لا يخدم الحرية، بل يسيء إليها ويفقدها مشروعيتها.
فالحرية، في جوهرها، ليست حقا مطلقا بلا حدود، بل هي حق منظم بقيم المجتمع وقوانينه، ومشروط بٱحترام حرية الآخرين.
عندما يدرك الفرد أن حريته تنتهي حيث تبدأ حرية غيره، فإنه ينتقل من مرحلة المطالبة إلى مرحلة الوعي.
وعندما يربط بين ٱختياراته ونتائجها، يصبح عنصرا فاعلا في بناء مجتمع متوازن، لا مجرد مستهلك لحقوقه.
من جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن مسؤولية حقيقية في غياب حرية فعلية. فالمواطن الذي لا يسمح له بالتعبير، أو يقصى من المشاركة، أو يشعر أن صوته بلا أثر، لا يمكن مطالبته بأن يكون مسؤولا بالمعنى الكامل.
لذلك، فإن العلاقة بين الحرية والمسؤولية علاقة تكامل لا تناقض:
«كلما توسعت مساحة الحرية، تضاعفت الحاجة إلى الوعي والمسؤولية، وكلما تعززت المسؤولية، أصبحت الحرية أكثر أمانا وٱستدامة».

إن بناء مجتمع متماسك لا يمر فقط عبر سن القوانين، بل عبر ترسيخ ثقافة تربي الأفراد على أن الحرية ٱلتزام قبل أن تكون ٱمتيازا.
يبدأ ذلك من الأسرة، حيث يتعلم الطفل أن ٱختياراته لها نتائج، ويمتد إلى المدرسة التي تنمي روح النقد والٱنضباط، وصولا إلى الإعلام الذي يجب أن يكون فضاء للتنوير لا للتأجيج.

في النهاية، الحرية ليست معركة تكسب مرة واحدة، بل ممارسة يومية تتطلب وعيا دائما.
ومن دون المسؤولية، تفقد الحرية معناها، وتتحول إلى عبء على صاحبها وعلى المجتمع.
أما حين يقترن الحق بالواجب، والصوت بالحكمة، والفعل بالإدراك، فإننا نكون أمام حرية حقيقية، قادرة على البناء لا الهدم، وعلى الٱرتقاء لا الإنحدار.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.