اقتصاد فجيج الى سكتة قلبية وبين مطرقةالشروط الإدارية وسندان المنع.
عبد الحفيظ بوبكري
تواجه مدينة فجيج الواحية واحدة من أعنف الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تاريخها الحديث. فقد تظافرت القيود الأمنية والتعقيدات الادارية لتخنق العصبين النابضين للمنطقة: الفلاحة والبناء. هذا الحصار غير المعلن تسبب في شلل شبه تام للمشاريع المحلية، ودفع بأغلبية شباب الساكنة إلى هجرة جماعية حوّلت الواحة التاريخية إلى أرض تفرغ تدريجياً من طاقتها البشرية.
نخيل شامخ بلا “يد عاملة
مع حلول موسم قطع التمور، وهو الموعد السنوي الأبرز الذي ينتظره الفلاحون لإنقاذ سنتهم المالية، تصطدم الواحة بواقع مرير هدد المحاصيل بالضياع فوق رؤوس النخيل.
ندرة حادة في العمال: تشهد المنطقة غياباً شبه تام لليد العاملة المؤهلة ، بسبب مغادرة الطاقات الشابة للمدينة. هذا النقص الحاد دفع بأسعار الجني اليومية إلى مستويات قياسية تفوق القدرة المالية لصغار الفلاحين، مما جعل تكلفة الإنتاج أعلى من قيمة بيع التمور في السوق.
أما قطاع البناء والتشييد، فقد دخل في نفق مسدود جراء قرار السلطات بمنع استغلال واستعمال مقالع واد العرجةالمحلية ومعلوم ان هده الاخيرة. هي ذاتها التي بُنيت من رمالها بيوت فجيج وقصورهامند خمسينات القرن الماضي ليتم الان منع استغلالها
بشكل صارم بـ أسباب يُقال إنها أمنية ترتبط بالحزام الحدودي. هذا القرار أجبر المقاولين والمستثمرين المحلين على جلب الرمال من مناطق بعيدة جداً، مما ضاعف كلفة مواد البناء وأدى إلى توقف كافة الأوراش وتسريح العمال والبنائين.
ولم تقتصر الأزمة على الجغرافيا والحدود، بل امتدت إلى الرفوف الإدارية. حيث يشتكي المواطنون والمستثمرون من صعوبات بالغة وتعقيدات تعجيزية للحصول على الشواهد الإدارية ورخص البناء أو الوثائق المرتبطة بالعقار والفلاحة. هذه المساطر الطويلة شكلت جداراً طارداً للاستثمارات، وأجهضت رغبة أبناء الجالية في تشييد مشاريع تنموية بمسقط رأسهم.
أمام هذا الأفق الاقتصادي المسدود ومحاصرة لقمة العيش، لم يجد إنسان فجيج من ملاذ سوى الرحيل. وتشهد المدينة نزيفاً ديمغرافياً حاداً بعد أن هجرت أغلبية الساكنة والشباب البلاد نحو المدن الداخلية الكبرى أو ركوب أمواج الغربة نحو أوروبا.
الواحة النابضة بالحياة بالأمس، باتت اليوم تقاوم شبح الركود الدائم، وسط صيحات استغاثة تلوح في الأفق لتخفيف المساطر الإدارية وإيجاد حلول عاجلة لاستغلال مقالع واد العرجة قبل أن تصبح فجيج مدينة “خارج الخدمة”.