30 مليار سنتيم لوادي إيسيل… هل استوعبت جماعة مراكش الدرس قبل فوات الأوان؟

بقلم: رشيد زلاغ

يعود مشروع تأهيل وادي إيسيل، الممتد من كولف المعدن إلى المدخل الرئيسي لطريق الدار البيضاء وعلى ضفتي الوادي، إلى واجهة النقاش العمومي بكلفة تناهز 30 مليار سنتيم (حسب برنامج عمل الجماعة 2023–2028). غير أن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بحجم الميزانية، بل بمدى قدرة القائمين على المشروع على تحويل هذا الاستثمار إلى منجز حقيقي يلامسه المواطن.

فمراكش حظيت، في إطار الرؤية الملكية الاستراتيجية للتنمية المندمجة، باستثمارات ضخمة وبرامج مهيكلة همّت تأهيل المدينة العتيقة، وتثمين المجال البيئي والإيكولوجي، وتحديث البنيات التحتية، وتوسيع المحاور الطرقية، وتأهيل المداخل الحضرية، ضمن رؤية مستقبلية تروم تعزيز مكانة المدينة كحاضرة تاريخية وسياحية عالمية.

ولذلك، فإن الدولة وفرت التمويلات الأساسية، وعبأت المؤسسات العمومية، وأبرمت الاتفاقيات اللازمة، وسخّرت الإمكانيات المالية والإدارية الكفيلة بإنجاح هذه الأوراش. غير أن نجاح الرؤية لا يتوقف عند توفير الاعتمادات، بل يرتبط أساساً بجودة التنزيل ونجاعة التنفيذ وحسن التتبع والمواكبة الميدانية.

ومن هذا المنطلق، تبدو الانتقادات الواسعة التي رافقت أشغال تهيئة ساحة جامع الفنا، بما تمثله من رمزية عالمية وسياحية وتراثية، محطة تستوجب التوقف عندها واستخلاص الدروس منها. فبعيداً عن الجدل، تبقى قيمة أي مشروع في قدرته على تحقيق الأهداف المسطرة له واحترام خصوصية المكان وجودة الإنجاز. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل استوعبت جماعة مراكش وشركاؤها هذا الدرس قبل فوات الأوان، بما يضمن القطع مع أي ارتجالية محتملة ويؤسس لمرحلة عنوانها النجاعة وجودة التنزيل؟

ولا يُنظر إلى مشروع وادي إيسيل كمجرد أشغال تهيئة، بل كرهان تنموي تعلّق عليه الساكنة آمالاً كبيرة لإخراج الوادي من مظاهر التلوث والإهمال، وإعادة الاعتبار لضفافه عبر فضاءات بيئية وثقافية ورياضية وترفيهية، تساهم في تحسين جودة العيش وتعزيز جاذبية المدينة.

واليوم، لا يحتاج المشروع إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى تخطيط دقيق، وتتبع صارم، وإشراك فعلي للكفاءات والخبرات التقنية، مع وضوح المسؤوليات بين مختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم جماعة مراكش ومؤسسة العمران، حتى لا تضيع المسؤولية بين تعدد المتدخلين عند أول إكراه أو تأخير.

فإذا كانت الدولة قد وفرت الرؤية والتمويل والمؤسسات، فإن مسؤولية النجاح أصبحت مرتبطة بقدرة المشرفين على التنزيل على ترجمة هذه الإمكانيات إلى نتائج ملموسة تحافظ على روح المشروع وأهدافه، وتضمن أعلى درجات النجاعة في التنفيذ.

وفي النهاية، يبقى وادي إيسيل اختباراً حقيقياً لقدرة الفاعلين المحليين على القطع مع منطق التعثر والارتجال، والانتقال إلى مرحلة الحكامة والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمواطن لم يعد يقيس المشاريع بحجم ميزانياتها، بل بمدى انعكاسها على حياته اليومية وجودة المجال الذي يعيش فيه.

فهل تكون 30 مليار سنتيم بداية لمرحلة جديدة عنوانها الإنجاز الفعلي والأثر الملموس؟ أم أن الأسئلة نفسها ستعود بعد سنوات، كما عادت مع مشاريع أخرى، بينما يبقى المواطن في انتظار النتائج التي وُعد بها؟

Comments (0)
Add Comment