1999 – 2018 .. التزام ملكي ثابت من أجل إقلاع مشترك لإفريقيا

التزم صاحب الجلالة الملك محمد السادس، منذ توليه عرش أسلافه الميامين، التزاما راسخا من أجل تكريس الوحدة والتضامن الإفريقيين، من خلال إطلاق مبادرات ملموسة، وكذا عبر الدعوة إلى مسار التنمية المستدامة لإفريقيا والمواطن الإفريقي، في إطار تعاون جنوب -جنوب “رابح -رابح”.

ويشكل تخليد الذكرى الـ19 لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، عرش أسلافه الميامين، فرصة متميزة للوقوف عند المبادرات المختلفة التي أطلقها جلالته لتعزيز العلاقات التاريخية والثقافية، وكذا علاقات الشراكة القائمة بين المملكة والدول الإفريقية، والمساهمة في إقلاع مشترك لإفريقيا.

ولكسب رهان بناء قارة إفريقية قوية ومستقرة، ومزدهرة ومتضامنة، التزم جلالة الملك برفع مجموعة من التحديات القارية، انطلاقا من تدبير تدفقات المهاجرين، إلى غاية مكافحة التطرف والإرهاب، مرورا بتعزيز الأمن الغذائي، وحماية البيئة، وتأهيل الرأسمال البشري، وتحسين التنافسية الاقتصادية، وتسريع وتيرة التنمية الاجتماعية.

ولم يفتأ المغرب، باعتباره بلد هجرة وعبور، تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، رائد الاتحاد الإفريقي في مجال الهجرة، يردد الدعوة إلى تطوير رؤية إفريقية مشتركة حول قضية الهجرة، تجعل من هذه الأخيرة رافعة للتنمية المشتركة، وركيزة للتعاون جنوب -جنوب ومحفزا للتضامن.

وانطلاقا من عزم جلالة الملك على وضع تجربة وخبرة المملكة في مجال الهجرة في خدمة إفريقيا، قدم جلالته خلال القمة الـ30 للاتحاد الإفريقي (29 يناير 2018)، وثيقة بمثابة “الأجندة الإفريقية حول الهجرة”، تقوم على مقاربة إنسانية ومبتكرة، تلامس مختلف جوانب ظاهرة الهجرة، وتتعامل مع هذه المسألة باعتبارها قوة إيجابية، ينبغي أن تساهم في إقلاع إفريقيا جديدة، وليس كإكراه أو تهديد.

وتقترح هذه الأجندة إحداث منصب مبعوث خاص للاتحاد الإفريقي، مكلف بالهجرة من أجل تنسيق سياسات الاتحاد في هذا المجال، بالإضافة إلى المرصد الإفريقي للهجرة الذي أجازت القمة العادية الـ31 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي، التي انعقدت يومي 1 و2 يوليوز 2018 بنواكشوط، قرار إنشائه بالمغرب، حيث يرتكز عمله على ثلاثة محاور هي، “الفهم والاستباق والمبادرة”. وسي عهد إلى هذا المرصد بتطوير عملية الرصد، وتبادل المعلومات بين البلدان الإفريقية، والتنسيق بين الدول الإفريقية من أجل تشجيع التدبير المحكم لحركة المهاجرين. كما يعتبر الأمن الغذائي والبيئي إحدى أبرز التحديات التي تواجه إفريقيا، والتي التزم المغرب برفعها إلى جانب دول القارة.

وتشكل مبادرة تكييف الفلاحة الإفريقية (المبادرة الثلاثية) التي اقترحها المغرب، خلال المؤتمر الثاني والعشرين للأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية (كوب22)، الذي انعقد في نونبر 2016 بمراكش، إجابة مبتكرة ومجدية لتحديات التغيرات المناخية بإفريقيا.

وتروم هذه المبادرة التي لقيت إشادة من لدن عدد كبير من دول القارة، اعتماد تمويل أكبر لفائدة الفلاحة الصغرى بإفريقيا، ومواكبة هيكلة وتسريع المشاريع الفلاحية، من خلال التركيز على أربعة برامج، تهم التدبير الرشيد للتربة والتحكم المستدام في المياه الفلاحية، وتدبير المخاطر المناخية وتقوية القدرات والحلول المرتبطة بتمويل حاملي المشاريع الصغرى.

وينضاف إلى هذه المبادرة، وضع وحدات إنتاج الأسمدة بإثيوبيا ونيجيريا، المبادرة الموجهة لتحسين الإنتاجية الفلاحية وتحفيز الأمن الغذائي، والتنمية القروية، والتي ستعم منافعها القارة برمتها.

وفي ما يتعلق بالتحدي البيئي، أطلق جلالة الملك بتعاون مع رئيس جمهورية نيجيريا الفدرالية، مشروع أنبوب الغاز الذي سيمكن من نقل الغاز الطبيعي نحو أوروبا، وكذا هيكلة السوق الإقليمي للكهرباء، مشكلا بذلك مصدرا أساسيا للطاقة يساهم في التطور الصناعي، وتحسين التنافسية الاقتصادية، فضلا عن تسريع التنمية الاجتماعية. وسيعود هذا المشروع بالفائدة على كافة بلدان غرب إفريقيا، من خلال ضخ دينامية متسارعة تحفز إقلاع وتطوير المشاريع الموازية.

وبخصوص هذا الموضوع، لم يدخر جلالة الملك جهدا في توفیر الوسائل، وفي الانخراط في الالتزامات الكفیلة بضمان تنمیة مستدامة وعادلة للقارة.

ويشهد على ذلك، تنظيم قمة العمل الإفريقية، على هامش المؤتمر الـ22 للأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية، بمبادرة من صاحب الجلالة، والتي تمخض عنها إحداث ثلاث لجان إقليمية، الأولى خاصة بمنطقة الساحل، تحت رئاسة جمهورية النيجر، والثانية خاصة بحوض الكونغو، برئاسة جمهورية الكونغو، والثالثة خاصة بالدول الجزرية برئاسة جمهورية السيشل.

كما يتجسد هذا الالتزام، في مشاركة جلالة الملك في القمة الأولى لقادة دول ورؤساء حكومات لجنة المناخ والصندوق الأزرق لحوض الكونغو، التي انعقدت في 29 أبريل 2018 ببرازفيل، وكذا في الدعم الذي قدمه المغرب لمختلف برامج هذه اللجنة، ومؤسستها المالية.

ولم تأل المملكة جهدا في اسثتمار تجربتها وخبرتها في العمل على تأهيل الرأسمال البشري الإفريقي، إذ لم تغب مسألة التكوين عن كافة الاتفاقيات التي وقعتها مع دول القارة، فقد تمكن العديد من المواطنين الأفارقة، من متابعة تكوينهم العالي بالمغرب، بفضل آلاف المنح التي خصصت لهم.

كما تلائم مقاربة التكوين/التأطير، التي أثبتت فعاليتها، مجمل المبادرات المرتكزة على الوقاية من التطرف ومكافحة ظاهرة الإرهاب. وقد تلقى المغرب الذي أصبح يشكل نموذجا يحتذى في مجال تدبير الشأن الديني، طلبات من طرف مجموعة من الدول الأوروبية، ومن إفريقيا جنوب الصحراء، للاستفادة من التجربة والخبرة التي اكتسبتهما المملكة في هذا المجال، طلبات رد عليها المغرب بالإيجاب.

ويرجع الفضل في هذا الإشعاع الذي يعرفه المغرب، إلى إحداث أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، لمعهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، الذي يستقبل عددا كبيرا من الطلبة الأفارقة، وكذا مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التي تشكل إطارا مؤسساتيا يمكن علماء أفريقيا من إرساء تعاون قائم على خدمة الشأن الديني، وتنمية مجتمعاتهم ومكافحة التطرف.

وفي المجمل، يعتمد المغرب في سياسته إزاء القارة الأفريقية، رؤية مندمجة ومتعددة الأبعاد، تروم رسم مستقبل متضامن وآمن يقوده الأفارقة من أجل أفريقيا.

Comments (0)
Add Comment