⚘️بنو عذرة الجدد⚘️.

الناقد علي درويش.

جمعتنا دردشة جل ما تخللها هزل، وقليل من الجد، سألني أحد جلسائي (وجميعهم من تخصصات علمية)، عن سبب إدمان شعراء منصات التواصل على الغزل، دون الأغراض الشعرية الأخرى التي علقت بذاكرتهم المدرسيةمنها:(إذا الشعب يوما… لقيتها ليتني ما كنت ألقاها… رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي…الخ)
واللافت أنني فوجئت بأنهم جميعا شركاء في الرأي من غير تحفظ.
فوعدتهم بأن أوضح رأيي في ذلك عبر كلمة أنشرها وأتقاسمها مع الأصدقاء والقراء ، والأكبد أن من بينهم نقاد سباحون أمهر مني في نقد الشعر.
وستتضمن شقين:
أ- بطاقة تعريفية للشعر الغنائي بلغة بسيطة خالية من الاصطلاح.
ب-وقفة تساؤلية عما شغلكم كما شغلني.
**
أ- الشعر:
الشعر، يا حسن ومصطفى ومجيد ومن لف لفكم، في تصوري المتواضع، تشكيلُُ باللغة، أشبه ما يكون بلعبة طفل بريىء، سلاحه الخيال، والبلاغة والرؤية ( تصور فكري)، والعاطفة، والتجربة والانفعال والموسيقى.
أي إن الشعر، يا حسن، حلمٌ يتزاوج خلاله الوعي واللاوعي، لينجبا، نصا متحركا، هاربا، بمثابة سفر نحو الكمال،يُقِلُّ المبدع والمتلقي معا، ، لذلك تتعدد مواضيعه وقضاياه بتعدد ما يشغل المبدع والمتلقي معا، من كل ما له صلة ب:
الذات – الطبيعة – المحيط- الإنسان- الزمان،- المكان، الوجود …الخ.
وكلما كان يحمل صوت الداخل من وجدان ومشاعر، وكلما سافر في الخيال وغنى بعناصر اللغة وبالاوزان (أو بأحدهما على الأقل)، أُدرِج في مايسمى بالشعر الغنائي (la poésie lyrique) وهو أقدم أنواع التعبير الوجداني عبر الشعر، مادام الحب والمشاعر الأخرى من طبيعة الانسان، ولدت معه وتظل موجودة بوجوده..
– عودة إلى الجذور:
ومن أقدم ما وصلنا لتأكيد ما سبق، ما ارتبط بالاسطورة الاغريقية( سأختزل): يتعلق الأمر بما أورده أوفيد Ovide في مؤلفه (métamorphoses) عن حكاية Orphée الذي هبط إلى أعماق الجحيم بحثا عن معشوقته Euridyce، وبيده قيثارة، وكيف حاول التخلص من الأشباح/الحراس، عبر إغرائهم بنغمات القيثارة(la lyre)
و منها أخذت التسمية (الشعر الغنائي lyrique )، وكان لهذا الغرض حضور في مختلف مراحل الشعر العربي ولكنه لم يلغ حضور الأغراض الأخرى (الفخر، الرثاء، المدح، ثم الشعر الاجتماعي والشعر الوطني، والشعر الإنساني…الخ)، بل كان مَطْلعا لها أو جزءا منها ثم غرضا مستقلا عنها. وعُرِفَتْ به بعض القبائل أو الأحياء أكثر من غيرها، حتى أن رجلا من قبيلة أخرى سأل امرأة من بني عذرة:
“مابال العشق يقتلكم؟ …وما بال قلوبكم تذوب كالملح في الماء…؟؟”
فأجابته : “..العفاف يورثنا رقة القلوب، وإننا نرى محاجر أعين لا ترونها ( بتصرف)”.

– ملاحظة لا مفر منها:
في سائر العصور ارتبط اسم شاعر الغزل باسم من أحبها أو العكس ( جميل بثينة- قيس ليلى- قيس لبنى- كثير عزة.. ابن زيدون وولادة… ، ، توبة وليلة الأخيلية، أبو نواس وجنان، أبو العتاهية وعتبة، ابن رهيمة وزينب،
ثم… جبران و ماري هاسكل
و وراء،البحار:
ف.هيجو و جوليت دروي، أ.دو موسي وج.ساند.، سارتر وسيمون دو بوفوار…الخ
أما في الشعر الأنجليزي فحدث ولا حرج.
– خلاصة وتساؤل:
*وهنا مربط الفرس:
من يتغنى بالحب، إذن، يفترض أن يعيشه فعلا لا قولا فقط، لتحقيق الصدق(في الأسطورة ما يرمز إلى مواجهة الصعاب من أجل المحبوبة) أي أن صدق المشاعر وغنائية النص (لغة وأصواتا على الأقل إن تعذر الوزن) ركيزتان أساسيتان من ركائز، الشعر الغنائي ومنه طبعا شعر الغزل.
و هذا ما جعلني ، أحار في إيجاد الجواب الذي يقنع جليسي، فاستنجدت بالقراء والأصدقاء، لدواع منها :
1- أولا لأنني لست ناقدا للشعر، وإنما أنا مجرد قارئ بحكم المهنة والتثقيف الذاتي والذوق الفني.
2- أن الأمر قد يندرج ضمن ظاهرة أعم، تتجاوز الشعر إلى سائر الفنون، قد يكون لها ارتباط بظاهرة الكآبة والشعور بالاحباط من ضمن الأعراض النفسية التي يعاني منها انسان العصر تحت وطأة ظروف الحياة المادية.، وهنا لا مفر من الاستنجاد بالسيكو- سوسيولوجيا، على الأقل.
3- جل الشعراء والشاعرات الذين قرأت أو استمعت لتصريحاتهم بشأن علاقة غزلهم بحياتهم الخاصة، ينفون وجود أية علاقة ويزعمون أن ابداعهم مجرد إلهام ينزل من السماء في لحظة ما.
مفارقة! إذن، أليس كذلك؟؟.
علي درويش

Comments (0)
Add Comment