وضع المعارضة الصعب أمام تغول الأغلبية الحكومية . مأساة المعارضة!

 

بيان مراكش/ الصديق أيت يدار

تعيش المعارضة البرلمانية، اليوم، وضعا صعبا، لم يسبق أن عاشته من قبل، على امتداد 62 سنة من العمل البرلماني، بدءا بأول اقتراع تشريعي عرفه المغرب في الـ17 من ماي 1963.
لأول مرة في تاريخ المغرب المعاصر، تجد المعارضة نفسها في وضع لا تحسد عليه أبدا، لا أنياب ولا أجنحة، في أسوأ سيناريو تحقق عقب انتخابات 08 شتنبر 2021، بتحالف أحزاب التجمع الوطني للأحرار، الاستقلال والأصالة والمعاصرة، الذي جمع بأغلبيته العددية الكبيرة كل أوراق المناورة السياسية لصالحه، وترك المعارضة مكتوفة الأيدي، في وضع أقل ما يقال عنه إنه مأساوي.
لم يعد بمقدور المعارضة التحرك حتى في المساحات التي يوفرها لها القانون، وذلك بعد أن قزمت الأغلبية حجمها وضيقت هامش اشتغالها، لتختزله في طرح الأسئلة، وفي أحسن الحالات التقدم بمبادرات قانونية لإحراج الحكومة لا أقل ولا أكثر.
الأمثلة على ذلك كثيرة، ولعل مبادرتها تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول دعم المواشي خير دليل على ذلك، حيث عجزت المعارضة عن بلوغ النصاب القانوني الذي يتطلب ثلث أعضاء مجلس النواب، وذلك بسبب نقصها العددي، الذي لا يتجاوز 125 عضوا، وهو ما تعذر معه بلوغ سقف 131 عضوا الضروري لتشكيل اللجنة، وبذلك ماتت مبادرتها في المهد، حيث كانت بحاجة إلى ستة أعضاء إضافيين لبلوغ النصاب القانوني.
وأين ما ولت المعارضة وجهها تجد نفسها محاصرة بطوق الأغلبية، الذي ازداد قوة بفضل مقاعد جديدة أضافها التجمع الوطني للأحرار خلال الانتخابات الجزئية الأخيرة إلى رصيدها، الذي صار يقارب 290 مقعدا، وهو ما قلص مساحة تحرك المعارضة أكثر، فمثلا في ما يتعلق بملتمس الرقابة، الذي ما فتئت هذه الأخيرة تلوح بطرحه لإثارة المسؤولية السياسية للحكومة، فبعدما كان غير ممكن صار مستحيلا، بسبب نقصها العددي الفظيع، فإذا كان بإمكانها أن تجمع توقيعات خمس الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب، حسب المادة 105 من الدستور، فإنه يستحيل عليها أن تنتزع تصويتا بالأغلبية المطلقة للأعضاء على الملتمس، وبذلك لن تتجاوز مبادرتها حدود إحراج الحكومة.
هذا الاختلال الحاصل على مستوى البرلمان، خلق وضعا صعبا وفسح المجال للأغلبية لتمارس نوعا من التغول، دفع الحكومة إلى الاستفراد بقرارات لا تحظى بموافقة الجميع، ويبقى تمرير قانون الإضراب، رغم الرفض الذي كان يلاقيه، أكبر مثال على ذلك، بل أكثر من ذلك، كانت الحكومة مصرة كل الإصرار على تمرير وصفة إصلاح صناديق التقاعد بنفس الطريقة، غير أنها تخلت عن ذلك، ليس خوفا من موجة الرفض المرتقب، بل لكلفة الإصلاح انتخابيا، لكون الانتخابات المقبلة على الأبواب.
أعتقد أن التحالفات البعدية التي أنتجت الحكومة الحالية كان فيها خلل أضر كثيرا بالتوازنات داخل قبة البرلمان، فالمشهد السليم كان يفرض أن يكون إما حزب الاستقلال، أو حزب الأصالة والمعاصرة في المعارضة، وذلك لضمان التوازن المطلوب، وفسح المجال أمام المعارضة أن تلعب دورها الطبيعي في الرقابة والتمثيل والتشريع.
ومن أسوأ الأمور التي ترتبت عن هذا الوضع غير المتوازن أن كانت له تداعيات خطيرة على الخطاب السياسي بصفة عامة، حيث أصبح مليئا بالتشنجات والانزلاقات، وذلك لانسداد قنوات تمريره بشكل سلس وعادي، وبذلك تحول الفضاء السياسي إلى فوضى لا تحترم عقول المغاربة وذوقهم.
ولكي تكون الحكومة قوية يجب أن تكون المعارضة قوية، فهذه الأخيرة ليست مجرد قوة معارضة لكل شيء، بل هي محفز لتطوير السياسات والأفكار، فوجود طرف سياسي ينافس الحكومة يدفعها إلى تحسين برامجها وسياساتها لتلبية تطلعات المواطنين، وفي هذا السياق، تتحول المعارضة إلى شريك فعلي في تحسين الأداء السياسي حتى وإن كانت خارج السلطة.
وفي النهاية، نعود إلى كلام جميل للمستشار الملكي والأستاذ الجامعي الراحل، محمد معتصم، رحمه الله، الذي كان يردد على مسامعنا أثناء دراستنا لمؤلفه الشهير «النظم السياسية المعاصرة» أن «الأنظمة الديمقراطية تعطي مكانة بارزة لدور المعارضة، وترسخ ذلك بشكل واضح وجلي في الدستور، وتعترف بدورها كجزء لا يتجزأ من العمل السياسي».
كل هذه الأمور يتضمنها دستور 2011، غير أن الممارسة السياسية التي انبثقت عن انتخابات 2021 لم تكن منصفة للمعارضة بعد أن حشرتها في الزاوية. وإلى متى ذلك ؟؟؟

Comments (0)
Add Comment