هندسة الرأي.

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في بلدي، الرأي ليس رأياً… بل وصفة جاهزة تُطهى في مطابخ السلطة وتُقدَّم للمواطن على طبق بلاستيكي رخيص، يسمونها (حرية التعبير) لكن الواقع أنها مجرد مسرحية رديئة الإخراج، يُصفق فيها الجمهور مُجبراً حتى وإن كان العرض مهترئاً.

 

هندسة الرأي عندنا تبدأ من التلفزيون العمومي، حيث لا صوت يعلو فوق صوت (الإنجازات العظيمة)، تلك الإنجازات التي لا يراها المواطن إلا على الشاشة، بينما هو يغرق يوميا في أزمة النقل، غلاء المعيشة، وٱنهيار الخدمات الصحية…

المواطن يموت على باب المستشفى، والإعلام الأصفر يُقسم أنّ المنظومة الصحية في (أبهى حلّة)!

 

ثم تأتي الجرائد والمواقع (المُمولة) التي تتسابق في صناعة أبطال وهميين:

✓وزير فاشل يتحول بين ليلة وضحاها إلى (مُنقذ للأمة)

✓برلماني غارق في الفضائح يُقدَّم كـ(رجل المرحلة)، بينما المثقف الحر والكاتب الصادق يُلاحَق بتهمة (إهانة المقدسات) أو (الإساءة للهيبة)!!

 

إنها هندسة جهنمية، تجعل المواطن يلعن زميله البسيط بدل أن يلعن المسؤول الفاسد، وتجعله يفتخر بمهرجان راقص أقيم بالملايير بينما مدرسة أولاده بلا مرحاض ولا سبورة. يجعلونه يهلل لصور (المغرب في الفضاء) وهو لا يجد حتى فضاءً محترماً لقبر أبيه!!!

 

والأدهى أن المواطن نفسه صار جزءاً من هذه الورشة القذرة:

✓يشارك الأكاذيب بحماسة!

✓يدافع عن الفاسدين بشراسة!!

ويقمع كل صوت مختلف بتهمة (الخيانة)!!!

صار البلد يحرس بنفسه أبواب سجنه، ويعتبر السلاسل التي في عنقه (زينة وطنية).

 

أيها السادة، هندسة الرأي في بلادنا ليست مجرد تقنية، إنها أداة لإبقاء الشعب بين حالتين:

1- إما سكران بوهم الإنجازات.

2- غارق في صمت مقهور.

وفي كلتا الحالتين، يظل السؤال معلقا بلا جواب:

– من يهندس رأينا… ولماذا يريدوننا بلا عقل؟

 

فيا أيها المواطن، حين تجلس مساءً أمام التلفاز أو أمام هاتفك الذكي وتظن أنك تفكر بحرية… تذكّر أن رأيك لم يولد من عقلك، بل من مختبرات خفية صاغت لك الوهم كما يُصاغ الإعلان التجاري.

وحين تصفق لهم، لا تنسَ أنك لا تصفق لإنجازاتهم… بل تصفق لدفنك حيًّا داخل قفص من الأكاذيب.

 

فإما أن تملك رأيك… أو سيهندسونه لك حتى آخر نفس.

Comments (0)
Add Comment