محمد سيدي : بيان مراكش
من دلائل رقي المدن ووعي القائمين على شؤونها، حسن تدبير ما هو بسيط في ظاهره، عميق في أثره فالماء وإن بدا متدفقا في الصنابير أو في أنابيب السقي، يظل من أعز الموارد التي تظهر قيمتها حين يشتد الجفاف وتقل الأمطار لذلك، فإن تدبيره بعناية لا يعد رفاها إداريا ، بل عنوانا على الحكامة والحرص على المستقبل .
وفي مراكش الحمراء ، حيث يتقاطع التاريخ مع التحول البيئي، إختارت المدينة الانخراط في إستعمال مياه التصفية لسقي المساحاتها الخضراء كخيار مسؤول في ظل تحديات ندرة المياه .. غير أن هذا التحول و الذي كان يمكن أن يحسب إنجازا تعثر في تفاصيل التنفيذ، فانقلب من حل بيئي إلى مصدر إزعاج بصري وتبذير يومي ، يكشف عن خلل أعمق في الرقابة والتتبع ، ويضع علامات إستفهام حول جدية بعض الفاعلين المحليين في ممارسة مسؤولياتهم .
فالمدينة تسعى جاهدة لتبني نموذج بيئي مستدام، وتعتمد بشكل متزايد على مياه التصفية لسقي المساحات الخضراء، تسجل شوارع مراكش مشاهد يومية تثير القلق من تسربات متكررة وبرك مائية على الأرصفة وجريان مستمر لمياه معالجة يفترض أن تستخدم بعناية ووفق شروط دقيقة .. لكن المفارقة أن هذا المورد الثمين ، الذي تطلب بنية تحتية وإستثمارات ضخمة ، يتحول في الواقع إلى مشكل بيئي وبصري يشوه المدينة ويظهر هشاشة في تدبير المرافق العمومية .
ورغم ما يفترض أن يمثله هذا التحول نحو المياه المعالجة من خطوة إيجابية في سياق مواجهة الإجهاد المائي ، إلا أن سوء التتبع وغياب الصيانة والرقابة حول المشروع إلى عبء يومي، في ظل صمت النائب المكلف بالأغراس، وإختفائه عن الساحة، وعدم تفاعله مع شكاوى رعايا جلالة الملك أو ما ينقله الإعلام المحلي .
و المثير للقلق أكثر هو أن هذا الغياب لا يقتصر على الميدان، بل يمتد إلى واجهة المسؤولية ، حيث لا مبادرات ولا توضيحات ولا حتى إشارات تدل على حس بالواجب … وفي المقابل تفيد مصادر متطابقة بأن النائب يخصص وقته لإعداد مشروعه الخاص المتمثل في إفتتاح مقهى في مفارقة تختزل إنشغال بعض المنتخبين بمصالحهم الشخصية على حساب الشأن العام !!! أليس من المفترض أن يكون المنتخب المحلي في قلب هموم المواطنين، مسارعا لتصحيح الاختلالات، ومدافعا عن جودة الخدمات ؟ أم أن المنصب يستغل فقط كواجهة للظهور والمصالح ، بينما تترك المدينة تواجه أعطابها وحيدة ؟!
ما تشهده مراكش اليوم من هدر يومي لمياه التصفية لا يمس فقط جمالية المدينة أو مواردها، بل يعبر خلل في الرؤية والممارسة … ويستدعي وقفة جماعية لإعادة ترتيب الأولويات، وتفعيل آليات المتابعة والمحاسبة ، وإعادة الإعتبار لمسؤولية تمثيل المواطن ، فالمسؤولية ليست شعار إنتخابي بل إلتزام يومي، والمدينة لا تنتظر من يبرر الغياب، بل من يحضر بالفعل ويصنع الفرق .