✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في مغرب يوليوز 2025 ، لم يكن موت الأستاذ الشاب “معاذ بلحمرة” مجرد خبر عابر ، بل صدمة وطنية ، ولطمة في وجه منظومة تعليمية تسلّحت بالجمود ، وأدمنت الإهمال ، وتفننت في قهر من يُفترض أنهم عماد المستقبل.
شاب في مقتبل العمر ، حديث الإلتحاق بسلك التعليم ، يُكلَّف بتدريس مواد مختلفة في ثلاث مؤسسات متباعدة جغرافيًا.
ثلاث جماعات ترابية!
ثلاث بيئات مشتتة!!
ثلاث فصول لا رابط بينها!!!
السؤال هنا:
✓هل هذه بداية مشوار ، أم أول طريق الإنهيار؟
✓أي دولة هذه التي ترسل أطرها التربوية إلى المجهول دون دعم ، دون مرافقة ، دون ٱستقرار؟
لكن المصيبة لم تقف عند حدّ التشتت الجغرافي والإرهاق اليومي ، بل تجاوزتها إلى مستوى من التسلط الإداري المقزز.
إدارةٌ متغطرسة ، ومديرة حسب شهادات الأساتذة ، تتفنن في الترهيب النفسي ، مرددة عبارتها الشهيرة: (والله حتى نربي البريهيش!) ، وكأن المؤسسة التعليمية (سجن ݣوانتانامو) ، لا فضاء للتربية والتكوين.
ووسط هذا الضغط والتشتيت ، تأتي شكاية من جمعية الآباء تتهم الأستاذ بالعنف ضد تلميذ ، لكن الغريب ، أن بعض أولياء الأمور تراجعوا وسحبوا أقوالهم ، لكن لا أحد أصغى.
الوزارة لم تنتظر كثيرا (قرار توقيف فوري ضد معاذ!).
بلا ٱستماع ، بلا تحقيق متوازن ، بلا حتى ٱحترام لكرامة المعني ، مجرد بلاغ ٱتهام كافٍ لتسحب منه لقمة عيشه ، ويُلقى به إلى الهامش.
ثم جاءت الطعنة الأشد إيلاما:
«ٱعتداء جسدي أمام زملائه ، من طرف حارس أمن خاص (سيكيريتي)
نعم ، أستاذ في مؤسسة عمومية ، يُضرب كما يُضرب المجرمون… ولا أحد تحرك!!
لا الإدارة ، لا النقابة ، لا حتى من يدّعون الدفاع عن كرامة المعلم.
وهنا ، نفتح القوس الكبير عن ظاهرة أصبحت مستفحلة:
حراس الأمن الخاص ، أو كما يُلقّبهم الشارع المغربي ب (فتوّات العهد الإداري الجديد!!!).
صار من المعتاد في إدارات الدولة ، أن لا تقع في مشكل مع المدير أو الكاتب العام أو حتى الطبيب الجراح… بل مع سي (سيكيريتي).
في مستشفياتنا العجيبة ، يمكنك أن تلج إلى غرفة العمليات بٱبتسامة الطبيب ، وتُسلّم على الممرضة بٱرتياح ، لكن إن حاولت تجاوز المتر الأول من الباب دون أن تنحني للفتوّة (سيكيريتي) ، فٱستعد لتجربة جسدية صوتية نفسية ، قد تنتهي بك في قسم المستعجلات… إن بقي لك شيء تُسعفه.
في مدارسنا ، تحوّل (السيكيريتي) إلى ضابط تأديب ، وصار يصدر الأوامر كما يشاء ، وأحيانًا يترجمها باللكم والدفع والسب العلني ، في غياب تام لأي محاسبة أو تكوين أو ضوابط مهنية ، والأمثلة عديدة وكثيرا في هذا الباب.
ولأن الدولة تخلّت عن الٱستثمار في الكرامة ، أسندت الأمن إلى شركات خاصة ، تكدّس الأفراد كما تُكدّس الحصى ، دون مستوى ، دون تكوين ، دون رقابة ، ودون رادع.
ما جرى “لمعاذ” لم يكن ٱستثناءا ، بل حلقة من سلسلة طويلة من الإنتهاكات التي يتعرض لها المواطنون في صمت.
المواطن البسيط يُهان ، الأستاذ يُصفع ، المريض يُدفع ، والموظف يُسب… و(السيكيريتي) في كل مشهد حاضر ، كأنه ظل الدولة حين تغيب العدالة.
والمُرعب في هذه القصة ، أنها لم تعد ٱستثناءا ، فقد تحوّلت وسيلة الإنتحار إلى مخرج مأساوي متكرر لدى عدد من المضطهدين في مفاصل الإدارة المغربية ، وعلى رأسها «الإدارة العامة للأمن الوطني» ، حيث ٱهتز الرأي العام في أكثر من مناسبة على وقع ٱنتحار رجال أمن ، عانوا بدورهم من التهميش ، الضغوط ، وٱنسداد الأفق داخل مؤسساتهم.
وكأن الوطن لم يَعُد يُقصي فقط ، بل يُطارد حتى اليائسين ، ويدفعهم إلى السقوط الأخير… سقوط الصمت.
أما الوزارة ، فقد ٱكتفت بالقول:
«إن الأستاذ لم يُحرم من مستحقاته ، وكأن الراتب دواء يُعالج الإهانة ، أو جدارٌ يصدّ الإنهيار النفسي».
ثم خرج الوزير ليطلق (نكتة الموسم) حين ٱدعى بكل ثقة وبلا خجل:
«أن دولا أجنبية تحسدنا على منظومتنا التعليمية!»
✓عن أي منظومة تتحدث ، يا معالي الوزير؟
هل تقصد بوركينا فاسو؟
✓أم جمهورية إفريقيا الوسطى؟
أم جزر القمر؟
بينما دول كانت إلى الأمس القريب تداوي جراح الحروب ، كرواندا وڤيتنام ، باتت تُخرّج المبتكرين وتقود التعليم الذكي ، ما زلنا نحن نحشو الأقسام ، ونرهب الأساتذة ، ونطرد المعلمين بدل أن نحتضنهم.
ما حدث “لمعاذ” ليس خطأ فرديا ، بل جريمة ممنهجة ، شارك فيها الجميع: الوزارة ، المديرية ، الإدارة ، الجمعيات ، حارس الأمن ، وحتى الصمت العام.
هي مأساة تختزل فشل إصلاح التعليم في المغرب ، وتكشف إلى أي مدى بات الأستاذ مهددا ، محاصرا ، ومجرد رقم يمكن الإستغناء عنه بضغطة قلم.
“معاذ” مات ، لكن قضيته لن تموت.
لأن صمته الأخير أقوى من كل الخطب ، وأبلغ من كل تقارير الوزارة.
فإما أن نحاسب المتورطين ، ونعيد الٱعتبار لكرامة المعلم… أو فٱنتظروا المزيد من المآسي… لأن هذا البلد ، بكل بساطة ، صار يُجهز على من يدرّس أبناءه.
حقا ، لك الله يا مغربي!.