محمد سيدي : مراكش
شهدت المملكة المغربية الشريفة خلال العقود الأخيرة دينامية إصلاحية متواصلة، عكست الإرادة القوية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في بناء دولة المؤسسات وتعزيز مسار الحكامة الجيدة ، وتحديث الإدارة العمومية بما ينسجم مع تطلعات المواطنين وتحولات العصر… وقد تجسدت هذه الإصلاحات في عدد من الأوراش الهيكلية ، من قبيل الجهوية المتقدمة، والرقمنة الإدارية، وإطلاق ميثاق المرافق العمومية، إلى جانب تعزيز مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص وتقريب الخدمات من المواطن.
ورغم هذه المكتسبات المهمة التي لا يمكن إنكارها، إلا أن بعض الممارسات الإدارية ما تزال تعكس بقايا من مركزية مفرطة ، لا تنسجم وروح الإصلاح، وتفرغ الشعارات من مضمونها العملي… ولعل أبرز مثال على ذلك، إستمرار حصر شهادة عدم التسجيل الخاصة بالولادة في مقاطعة واحدة بمدينة الرباط ، رغم طابعها الحيوي والبسيط تقنيا، مما يطرح علامات إستفهام حول مدى إلتزام بعض القطاعات المعنية بروح الإصلاح والتقريب والعدالة المجالية .
ورغم الشعارات المتكررة حول تحديث الإدارة وتقريبها من المواطن، ما تزال بعض المساطر الإدارية في المغرب تحافظ على طابعها المركزي المرهق، وتعكس فجوة عميقة بين واقع الإدارة وطموحات الرقمنة والعدالة المجالية… ولعل أبرز مثال على ذلك شهادة عدم التسجيل الخاصة بالولادة ، وهي وثيقة حيوية يفترض أن تكون متاحة بكل يسر في جميع مقاطعات المملكة المغربية الشريفة ، لكنها لا تزال محصورة في نقطة واحدة على مستوى التراب الوطني “مقاطعة حسان بمدينة الرباط” .
هذا الواقع يدفع بعدد من رعايا جلالة الملك من مختلف جهات المملكة، إلى تكبد عناء السفر والتنقل نحو العاصمة الإدارية، فقط من أجل الحصول على وثيقة بسيطة… قد لا تستغرق دقائق من حيث الإعداد التقني، لكنها تستنزف في المقابل يوم أو يومين من التنقل والإنتظار والنفقات ، في مشهد يناقض كل منطق العدالة الترابية والنجاعة الإدارية .
إن تمركز هذه الخدمة في الرباط فقط، لا يجد له سندا موضوعيا، خصوصا في ظل توفر المغرب على بنيات معلوماتية متطورة، وتجربة مهمة في مجال الرقمنة الإدارية، توجت بإحداث “بوابة الخدمات الإدارية” و”المنصة الرقمية للمراسلات” وغيرها من المبادرات… فكيف يعقل أن يستمر هذا التمركز الشاذ لوثيقة ، تطلب في عدد من الملفات الرسمية ، سواء في الداخل أو بالنسبة للجالية المغربية المقيمة بالخارج، التي تعاني أكثر بسبب السفر …
ما ينبغي التأكيد عليه هو أن الحصول على شهادة عدم التسجيل حق إداري ، وليس إمتياز استثنائي يمنح بيروقراطي من مركز القرار ، و تقييد هذا الحق بمقاطعة وحيدة ، يعد إنتقاصا من المساواة بين المواطنين ، وخرقا لمبدأ تقريب الإدارة، الذي نص عليه دستور المملكة المغربية الشريفة في أكثر من فصل .
فالحل لا يتطلب معجزة تقنية ، بل مجرد إرادة إدارية وتشريعية ، تقضي بتعميم هذه الخدمة على مستوى العمالات والأقاليم ، وربما حتى عبر البوابات الرقمية المعتمدة ، وهذه دعوة إلى التحرك ، إن هذه التجربة التي عاشها العديد من المواطنين ، بمن فيهم كاتب هذه السطور ، تدق ناقوس الخطر وتدعو كل من الجهات الوصية ، والنواب البرلمانيين ، إلى التدخل العاجل من أجل تصحيح هذا الوضع من أجل المغاربة، ورفع الحيف الإداري عن المواطنين .
فلا يمكن بناء مغرب الثقة والتحديث والمؤسسات، إلا بإدارة عصرية ، عادلة، وناجعة ، تضع مصلحة المواطن في صلب أولوياتها ، وتجعل من الخدمة الإدارية جسرا للكرامة وليس عبئا إضافيا على المواطن .