من “خلصني بغيت نمشي” إلى “تعريفة الوقوف”… عبث يختزل فوضى الشارع تسلطانت سيبع مراكش

 

ظاهرة “الجيلي الأصفر” أو ما يُعرف في الشارع تسلطانت سيبع مراكش بـ”بارد الكتاف”، لم تعد مجرد إزعاج يومي للسائقين، بل تحولت إلى مشهد يختزل مفارقات كثيرة بين القانون والواقع، وبين المسؤولية واللامسؤولية.
في مدينة مراكش، كما في مدن أخرى، يكاد لا يخلو شارع أو زقاق من “كارديان” يفرض رسومه الخاصة مقابل ركن السيارات، في غياب أي إطار قانوني واضح أو شفاف. والمثير أن بعض الشوارع أضحت شاهدة على “مهازل” حقيقية. في شارع أكدال أو شارع الكولف بسيدي يوسف بن علي مثلاً، تفاجأ السائقون بوجود لوحة زرقاء ضخمة مكتوب عليها “تعريفة الوقوف”، وكأنها تمثال يرزح على رؤوسهم. لأول مرة يسمع الناس في حياتهم بمصطلح “تعريفة الوقوف”، الذي لا سند له في القانون، لكنه وجد طريقه إلى شوارع المدينة!
الطرائف المرتبطة بهذه الظاهرة لا تنتهي:

“خلصني بغيت نمشي”، عبارة تتكرر على لسان باردي الكتاف وكأنها كلمة السر لفرض الإتاوة على السائقين المستعجلين.

في حادثة أخرى غريبة، صدر حكم قضائي ضد سائق فقط لأنه رفض أداء رسوم غير قانونية لأحد هؤلاء الحراس، في سابقة تثير علامات استفهام حول من يحمي المواطن.

بل إن بعضهم يوزع الشوارع فيما بينهم كأنها “إقطاعيات”، فيضع كراسي بلاستيكية أو حجارة ليُشعر الجميع أن المكان أصبح ملكاً له.

المسؤولية في هذه الفوضى لا يمكن أن تُحمل فقط لهؤلاء الأشخاص، فالكثير منهم مجرد ضحايا للبطالة والفقر. لكن الجزء الأكبر من المسؤولية يقع على عاتق الجماعات المحلية، التي تتغاضى عن الظاهرة، بل أحياناً تشرعنها عبر اتفاقات غامضة أو عبر صمتها المريب. فالفضاء العام ملك جماعي، واستغلاله يجب أن يخضع للمساطر القانونية والشفافية المالية، لا أن يتحول إلى مورد ريعي لأشخاص مجهولي الهوية القانونية.
الشارع اليوم في مراكش، كما في مدن أخرى، يحتاج إلى تنظيم حقيقي يعيد الاعتبار للقانون، ويحمي السائقين من الابتزاز اليومي، ويضمن أن تُستثمر مداخيل استغلال مواقف السيارات في تطوير البنية التحتية، لا أن تذهب إلى جيوب أفراد يفرضون “قانونهم الخاص” تحت أنظار السلطات.
إن استمرار الظاهرة بهذا الشكل يحول شوارعنا إلى ساحات عبثية، حيث المواطن يجد نفسه بين مطرقة الحاجة إلى ركن سيارته وسندان “الجيلي الأصفر”، في غياب حلول جذرية ومسؤولية واضحة.

Comments (0)
Add Comment