من حاحا إلى جزر المرجان: أبو البركات المغربي الذي أضاء المالديف بنور الإسلام .

 

بقلم : حفيظ صادق

في زاويةٍ نائية من جنوب المغرب، وتحديدًا في منطقة حاحا بإقليم الصويرة، ولدت حكاية لم تُروَ كثيرًا، لكنها تستحق أن تُدرّس وتُخلّد. حكاية رجلٍ مغربي بسيط حمل اسماً أصبح علامة فارقة في تاريخ الإسلام بجنوب آسيا: أبو البركات. بعث لي أحد الأصدقاء وإسمه يوسف بونار وأعتبره رجلا مثقفا ملم بالقرائة منذ أربع سنوات شريط فيديو قصير يتحدث عن شخصية مغربية نادرة تُدعى يوسف البربري، ويُقال إنه الرجل الذي أدخل الإسلام إلى جزر المالديف. في البداية، ظننت أن الأمر لا يعدو كونه إشاعة أو رواية خيالية، لكن ما إن بدأت أبحث وأقرأ، حتى انكشفت أمامي صفحات مجيدة من تاريخ لم نعرف عنه سوى القليل.

تذكر كتب التاريخ أكثر من شخصية مغربية حملت هذا الاسم. ولعل أشهرهم اثنان:

أبو البركات العبدري الحاحي: فقيهٌ وأديب ورحّالة مغربي من منطقة حاحا، عاش في القرن الثالث عشر الميلادي. ترك لنا واحدة من أروع المدونات في أدب الرحلات: “الرحلة المغربية”، التي دوّن فيها تفاصيل رحلته إلى الحج، مارًا بتونس ومصر والحجاز وبلاد الشام.

أبو البركات يوسف البربري: شخصية غامضة لكنها عظيمة الأثر. يُقال إنه كان من بلاد المغرب، ومن المحتمل أنه من منطقة حاحا أيضًا. وصل إلى جزر المالديف في القرن الثاني عشر الميلادي، حيث نشر الإسلام هناك، وترك أثرًا لا يُنسى في الثقافة والدين والهوية الوطنية للمالديفيين.

بحسب الروايات التاريخية، وصل أبو البركات إلى المالديف في وقت كانت فيه البلاد تدين بالبوذية. يُقال إنه كان عالمًا وفقيهًا متبحرًا في علوم الدين، ذا شخصية هادئة وكلمة طيبة، فاستطاع أن يدخل قلوب الناس قبل أن يدخل عقولهم. وقد نسب له التاريخ إقناع الملك وقتها باعتناق الإسلام، مما أدى إلى تحول الجزر كلها تدريجيًا إلى الدين الجديد. تقول بعض الأساطير المالديفية إن الرجل أظهر كرامة خارقة، أو أنه نجح في دحض السحر الذي كان يخيف السكان، ما جعلهم يؤمنون برسالته. بغض النظر عن التفاصيل، فإن الثابت هو أن اسم أبو البركات محفور في ذاكرة المالديف كمنقذ ومُرشد، حتى أن مسجد “الجمعة” في العاصمة مالي يضم قبره، ويُزار باعتباره مقامًا تاريخيًا.
رغم أن بين العبدري الحاحي ويوسف البربري نحو قرن من الزمن، إلا أن كليهما يمثلان وجهًا من وجوه المغرب المنفتح على العالم، المغامِر في سبيل الحق، الحامل لرسالةٍ أكبر من حدود الجغرافيا. أحدهما دونَ رحلته بالحبر والورق، والآخر خطّها في قلوب شعبٍ بأكمله. هل كنت تعرف أن شخصًا من المغرب هو من نشر الإسلام في المالديف؟ هل سمعت من قبل عن العبدري الحاحي أو يوسف البربري؟ ألا يدعونا هذا للتفكير في كنوزنا البشرية والتاريخية التي لم تحظَ بما تستحق من اهتمام؟

* مراجع ومصادر:
تاريخ المغرب.
أعلام من بلادنا: العبدري الحاحي ويوسف البربري .
أدب الرحلة ونشر الإسلام في الشرق .

Comments (0)
Add Comment