من العز والصولة إلى أعراف الدولة الطقس السلطاني بين النص والتأويل

محمد سيدي: بيان مراكش

أثار إعفاء والي جهة مراكش آسفي من مهامه بسبب إحيائه لطقوس ذبح الأضحية يوم عيد الأضحى، على النمط السلطاني التقليدي، نقاشًا واسعًا حول مدى “تجاوز” هذا السلوك للتعليمات المركزية، خاصة في ظل قرار رسمي بمنع إقامة هذه الشعيرة علنًا. وقد اعتبر البعض هذا الفعل خروجًا عن توجيهات عليا، فيما اعتبره آخرون اجتهادًا في استحضار رمزية الدولة المخزنية وتمثيلها جهويا.

هذا البحث يحاول فهم هذا الفعل في ضوء البنية الرمزية للنظام السلطاني المغربي، من خلال استحضار المعطيات التاريخية الواردة في كتاب «العز والصولة في معالم نظم الدولة» للمؤرخ الرسمي للدولة العلوية مولاي عبد الرحمن بن زيدان، وتحليل أبعاد الفعل في سياقه السياسي والديني والدستوري.

-الطقوس السلطانية كجزء من الشرعية السياسية

تُعد الطقوس الدينية – وخصوصًا ذبح الأضحية – في السياق المغربي، جزءًا من منظومة ترسيخ الشرعية السياسية للسلطان. ويبين كتاب «العز والصولة» أن عيد الأضحى لم يكن مجرد احتفال ديني، بل لحظة تجديد للبيعة الرمزية، يظهر فيها السلطان كـ”أمير للمؤمنين”، يتصدر مشهد الصلاة، ويذبح الأضحية بصفته ممثلا للشرع والسيادة.

ويصف المؤلف بالتفصيل تنظيم المواكب، وتحديد مواقع القبائل والشخصيات الرسمية، و”طقس النحر السلطاني” الذي يجري أمام أعين العلماء والقضاة والوزراء والمواطنين. كل ذلك يندرج في “فن الحكم المخزني”، حيث تكون الأضحية فعلًا سياسيًا بقدر ما هو ديني.

– مؤسسة الوالي كامتداد للسلطة المركزية

في الدولة المغربية الحديثة، وخصوصًا بعد دستور 2011، ما تزال مؤسسة الوالي تمثل الامتداد الإداري والسياسي للمركز في الجهات. الوالي ليس مجرد موظف ترابي، بل ممثل السلطة التنفيذية في الجهة، وصاحب وظائف سيادية رمزية، أبرزها الحفاظ على هيبة الدولة وتوازنها السياسي والديني.

انطلاقًا من هذا المفهوم، يصبح الوالي – خصوصًا في جهات تاريخية مثل مراكش أو فاس – فاعلًا رمزيًا بامتياز، يمثل المخزن في شكله الترابي. وبالتالي، فإن قيامه بإحياء طقس سلطاني تقليدي لا يحمل بالضرورة نية العصيان، بل قد يعكس وعيًا مخزنيا عميقًا بوظيفة الدولة التمثيلية.

– هل وقع خرق للتعليمات الملكية؟ بين المعنى والنية

حسب مصادر إعلامية، فإن قرار منع ذبح الأضحية علنًا كان قرارًا مركزيًا، له أبعاده الرمزية والسياسية. غير أن ما قام به والي مراكش، بحسب الشهادات المتوفرة، تم بحضور رسمي لممثلين عن المجلس العلمي، والسلطة الأمنية، والإدارية، ما يدل على أن المسألة لم تكن سرية أو تمردية.

بل أكثر من ذلك، تشير بعض المعطيات إلى أن الأضحية التي استُخدمت هي من النوع المعروف بـ”الخروف المخزني”، الذي يوزع تقليديًا على بعض المؤسسات، وأن ذلك تم عبر مساطر إدارية معتادة.

هذا المعطى يُظهر أن ما وقع لا يدخل في إطار “العصيان”، بل سوء تأويل أو غموض في حدود القرار المركزي، خاصة إذا لم يُبلغ بصيغة قطعية ومباشرة إلى كافة الولاة.

– الاستحضار المشروع للرمزية المخزنية
حين نقرأ فعل والي مراكش في ضوء ما ذكره كتاب «العز والصولة»، يتضح أن إحياء الطقس السلطاني هو جزء من “الحمولة الرمزية” التي يحملها رجل الدولة المخزني. فالدولة لا تمارس فقط الحكم، بل تجسد الشرعية بالطقس، والمظهر، والانضباط التاريخي.

ما قام به الوالي إذن، ليس إلا تمثيلًا لما يعتقده منطق الدولة في أعرق تجلياته. وحتى إن وُجد قرار مركزي بالمنع، فإن فعل الوالي لا يمكن الحكم عليه بمعزل عن نيته، وظروفه، والمعطيات التي رافقته. لا سيما وأنه لم يكن عملاً فرديًا، بل فعلاً مؤطرًا بالحضور الرسمي والطقوسي، دون استفزاز أو خطاب معارض.

– بين التأويل والنية – هل أخطأ الوالي؟

في ضوء ما سبق، نخلص إلى أن ما فعله والي جهة مراكش لا يرقى إلى مستوى الخطأ الإداري أو العصيان السياسي، بل يمثل اجتهادًا رمزيًا في تأويل وظيفة رجل السلطة داخل النظام المخزني.

وبدلًا من محاسبته على فعله، ربما كان الأجدر هو فتح نقاش داخلي مؤسساتي حول حدود الطقوس السلطانية في عهد التحديث، وكيفية تدبير الرمزية في ظل أوامر مركزية، دون نفي السياق التاريخي الذي يجعل من الوالي ممثلًا لسلطة ليست إدارية فقط، بل شرعية ودينية وتاريخية.

Comments (0)
Add Comment