منذ تنصيب الحكومة الجديدة وتعيين السيد شكيب بنموسى وزيرا للتربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة استبشر دكاترة القطاع خيرا، لأنهم لمسوا في الرجل شخصية الرصين القادر على إبداع الحلول الكفيلة بحلّ المشاكل التي يتخبط فيها القطاع، وذلك بحكم هندسته للنموذج التنموي الجديد انطلاقا من التشخيص إلى اقتراح خطط العلاج. وزاد استبشار الدكاترة اتساعا بعد الإعلان عن انطلاق جلسات الحوار القطاعي في أفق إخراج نظام أساسي عادل ومنصف لكل الفئات من أجل التجنّد الجماعي لإنجاح خارطة الطريق التي تراهن على الأبعاد الثلاثة (المتعلم، المدرّس، المدرسة).
وبعد الجلسات القطاعية الأولى التي أفضت إلى الحسم في ستة ملفات – من بينها ملف دكاترة القطاع الذي عمّر طويلا – من خلال الإعلان عن تغيير الإطار للدكاترة العاملين بالقطاع إلى أستاذ باحث له نفس مسار أستاذ العليم العالي مساعد، بعد هذه الجلسات تأكّد للدكاترة أنّ ما اعتقدوه في الرجل واقع وله ما يثبته على الأرض لأنه أقرّ بضرورة الاستثمار في هذه الأطر الكفيلة بإنجاح خارطة الطريق 2022 ـ 2026، هذا ما ساد بين أوساط الدكاترة منذ اتفاق 18 يناير 2022م.
في هذا السياق دعت الهيأة الوطنية لدكاترة قطاع التربية الوطنية إلى إصدار مرسوم تعديلي يتضمن حلاّ للملف، وكان ردّ وزارة التربية الوطنية أنّ الاتّفاق سارٍ وأنّ الحلّ سيكون ضمن النظام الأساسي (وهو منطق مخالف للمنطق الذي تعاملت به الوزارة مع المتصرّفين التربويين لأنها سرّعت وتيرة الحل بإصدار مرسوم تعديلي). وبما أنّ الدكاترة مسؤولون ويقدّرون الروح الوطنية التي جعلتهم يصمدون أكثر من عقدين من الزمن في انتظار حلّ عادل أمهلوا الوزارة إلى حين إصدار النظام الأساسي المرتقَب، ولم يشوّشوا على الجلسات المتواصلة، ولم تنطَلِ عليهم حيل المزايدات ولا الإشاعات التي تصدر هنا وهناك دون سنَد أو مرجع رسمي واضح. بمعنى أنهم تعاملوا بحسن نيّة طيلة فترات الحوار قبل أن يتلقوا خبرا – لم يبحثوا عنه – وطرَق أبوابهم ودفعهم إلى التجنّد الشامل من أجل صدّ أي محاولة للالتفاف على حقّ مشروع غُبِن فيه الدكاترة مدّة طويلة، منهم من غادرنا إلى دار البقاء ومنهم من تقاعد ومنهم من أشرف على التقاعد ومنهم من أقعَده المَرض وهمّ الانتظار. لقد تأكّد أنّ الوزارة تقترح المباراة كشرط من أجل تغيير إطار الدكاترة إلى أستاذ باحث، وهذا ما لم يكن موضوع اتفاق في 18 يناير، وهذا ما لم يألفه المغاربة في السيد شكيب بنموسى. فما الذي حدث؟ وكيف جرت هذه المياه تحت الجسر؟
لنقل إنّ الداعي إلى هذا الالتفاف هو إتقان بعض المسامير داخل أروقة الوزارة لعبة التأويل التعسفي لخطاب الاتفاقات القطاعية، وإلاّ كيف نفسّر التراجعات التي همّت بعض الملفات؟ وبما أنّ هذه المسامير تقرأ القوانين خارج سياقاتها فإنها تميل إلى احترامها تارة وتجاوزها تارات أخرى. وفي هذا السياق، إذا كان الداعي إلى فرض المباراة هو مرسوم بنكيران التراجعي فإنّ لنا حوله ما يأتي:
المرسوم المومأ إليه يعني التوظيف، ولأجل ذلك فإنه أقرّ المباراة في التوظيف. في حين أن ملف دكاترة التربية الوطنية ملف تغيير إطار، وملف جبر عمّر طويلا واكتوى أهله بحرقة ومرارة تجرعوها على امتداد سنوات من الوعود الزائفة والكلام المعسول الذي لا يقدّم ولا يؤخّر.
مرحلة إصدار المرسوم هي مرحلة ارتباك شامل وتخبّط جارف، لأنها مرحلة مراهقة سياسية لم ينضج أصحابها، ولم يمتلكوا خبرة تسيير الحياة العامة المواطنين الذين أمهلوا حزب العدالة والتنمية عشرية كاملة، وصبروا على إجراءاته القاسية قبل أن تدحرهم صناديق الاقتراع.
تنبّه القصر الملكي إلى الأزمة التي سببه بنكيرات بسبب تعنّته وتسببه في بلوكاج سياسي مما دفع إلى تغييره برئيس المجلس الوطني للحزب آنذاك. وهذه إشارة أبلغ من خزانة من الكتب، لأنّ فيها دلالة على أنّ الرجل يتقن فنّ التأزيم. والمرسوم المشار إليه جزء من هذا الكلّ المأزوم.
ولنفترض أنّ هذا المرسوم فعلا احترم ما يجب أن يحترمه من قوانين، وراعى المصلحة الفضلى للوطن والمواطنين، فلماذا يتمّ التراجع عنه في ملف المتصرّفين التربويين الذين كانوا موضوع تفاق 18 يناير 2022م إلى جانب الدكاترة وحاملي الشهادات؟ (بالمناسبة نهنئ المتصرفين التربويين وغيرهم من الأطر العاملة بالوزارة على كلّ تحسّن طال الملفات). ألا يعني هذا أنّ هناك داخل الوزارة من يكيل بمكيالين فيرى المرسوم مقدّسا هنا وقابلا للتجاوز هناك؟
ولنفترض أبعد من هذا أنّ نيّة حلّ ملف الدكاترة ثابتة، أفلا يعدّ النظام الأساسي مرسوما أوسع يمكنه احتضان كلّ التعديلات الممكنة بما فيها مرسوم بنكيران المشؤوم؟
إنّ دكاترة القطاع امتلكوا من الصبر والتحمّل والجَلَد الشيء الكثير، وتحملوا ضغط العبارة اليتيمة (إحداث إطار أستاذ باحث له نفس مسار أستاذ التعليم العالي مساعد) منذ انطلاق جلسات الحوار القطاعي، وكانوا دائما يحملون معهم همّ سؤال كيفية الأجرأة؟ حتى أتاهم خبر مفاده إصرار ممثلي الوزارة على المباراة، وهو ما يعتبر – بالنسبة إلى الدكاترة جميعا – عودة بالملف إلى نقطة الصفر. بل إنّ في ذلك تراجعا عن دَينٍ في عنق وزارة التربية الوطنية التي التزمت في وقت سابق على تسوية الملف على ثلاث دفعات، فمرّت دفعتان وتمّ إيقاف الدفعة الثالثة دون مسوّغ أو مبرّر.
أمام هذه الوضعية فإنّ الهيأة الوطنية للدكاترة العاملين بوزارة التربية الوطنية تؤكّد الآتي:
الاستمرار في نهج حسّ المسؤولية وعدم التشويش على مسار الجلسات التقنية للحوار القطاعي.
تنبيه ممثلي وزارة التربية الوطنية إلى خطورة انتهاك حق جميع دكاترة القطاع في تغيير الإطار إلى أستاذ باحث والطيّ النهائي للملف داخل النظام الأساسي.
التأكيد على أنّ أي خرق لحق هؤلاء الدكاترة في الحلّ الشامل معناه شلّ كلّ محاولات الإصلاح، بما فيها خارطة الطريق التي أعلن الدكاترة تحمّسهم للانخراط فيها.
تنبيه النقابات المحاوِرة إلى خطورة هذه الوضعية والانتكاسة التي يمكن أن يتسببوا فيها ويوقّعوا على صكّ الإجهاز المنظّم والمتَّفَق عليه على حقوق الدكاترة.
التأكيد على أنّ المباراة جزء من الأزمة، وليست جزءا من الحلّ، لأنّ مباريات التعليم العالي تفرّخ أشكالا كثيرة من الفساد ولا تنتهي عند إعلان النتائج، بل تصير صور الفساد عناوين كبرى في الجرائد الوطنية يوميا. كما أنّ منطق المباراة نفسه عصف بالمعرفة الرصينة والعلم الناضج على نار هادئة. فكم أفرز التهافت على منصب أستاذ التعليم العالي مساعد من كتب ومقالات سويَت على عجل دون أن تحمل أي قيمة علمية أو معرفية أو تربوية؟ وكم عدد اللجن التي تمّ إيقافها؟ وكم عدد المباريات التي تمّ حجب نتائجها؟ أليست هذه أدلة كافية على استحالة تطبيق منطق المباراة، خاصّة في سياق تؤكّد فيه وزارة التربية الوطنية حاجتها إلى هذه الطاقات؟
تسجيل مأساة أخرى على المباريات منذ إعلانها، حيث نقرأ (جامعة…. تعلن عن توظيف 57 أستاذا للتعليم العالي مساعد مثلا)، وهو رقم يبدو مشجعا للبعض، ولكن حين يطّلع المرء على التخصصات المطلوبة يصاب بالإحباط المتواصل (ما حظّ دكاترة اللغة والأدب العربيين؟ ما حظّ الفيزياء؟ ما حظ الدراسات الإسلامية؟ ما حظّ الفلسفة؟) بل أكثر من هذا أصبحت المباريات تحمل عناوين بحوث بعينها. ولا ندّعي صيغة للفساد أقوى وأصلب من هذه.
إذا كان المنطق ماليا مُحاسَباتيا، فلا ينبغي ربط النظام الأساسي بخارطة الطريق، لأنّ نظاما أساسيا تقشّفيا لن يضخّ شيئا في المحرّك، وبدل تنزيل خارطة الطريق ستضيع البوصلة من جديد.
إذا كان الضغط المالي يفرض عدد المناصب السنوية فإنّ عدد دكاترة القطاع أقلّ مما يتصوّر ممثلو الوزارة، ولا ينبغي أن يتحمل هذا العدد فوق طاقته، لأنّ بالإمكان طيّ الملف كله على دفعتين اثنتين على أبعد تقدير.
ضرورة مراعاة الأثر الرجعي منذ 2012م لأنّ الوزارة المعنية التزمت مع كلّ ممثلي الدكاترة بالطي النهائي للملف على أن تكون آخر دفعة سنة 2012، ولأجل هذا فإنّ كلّ الذين لم يشملهم الحلّ آنئذٍ معنيون بالأثر الرجعي لعله يجبر ضررهم بعد أن فاتتهم سنوات من الغبن الجماعي.
التذكير بأنّ الهيأة الوطنية للدكاترة العاملين بوزارة التربية ستعقد الملتقى الوطني العاشر منتصف يوليوز، وسيتمّ اتخاذ القرارات المناسبة بما فيها الاعتصام الميداني وشلّ مجموعة من المهامّ ذات الحساسية إذا ظهر أنّ النظام الأساسي المنتَظَر تراجَع عن أي نقطة تتضمّن تهمّ الحلّ الشامل. التأكيد على أنّ موقف النقابات برفض تصوّر ممثلي الوزارة للحل موقف مشرّف، وندعوهم إلى ابتكار حلول تضمن شمولية الحل كي لا يخلّف هذا النظام المنتَظَر ضحايا جددا، لأنّ الدكاترة ضحّوا كثيرا.
التأكيد على أنّ عدم الطي النهائي للملف في الجلسات التقنية المتواصلة سيكون سببا في تصعيد ميداني، لأنّ الدكاترة في هذه الحالة قد استنفذوا كلّ الحلول الحوارية والإبداعية والتواصلية، وتحمّلوا بسبب مسؤوليتهم وصبرهم عددا ممن ماتوا وعددا ممن تقاعدوا وعددا ممن أقبلوا على التقاعد… فإلى متى تجهِض طاقاتك يا وطني؟
د. خالد مساوي
عضو الهيأة الوطنية للدكاترة العاملين بوزارة التربية الوطنية