رغم أن الحراك التعليمي الأخير توج باتفاق مهم بين وزارة التربية الوطنية والنقابات التعليمية، إلا أن التنفيذ ظل رهين بطء بيروقراطي، لا يرقى لحجم الانتظارات ولا يعكس جدية الالتزام. من أبرز الملفات التي تضمنها الاتفاق، نجد ملف المعلمين العرضيين، الذي خصص له بند واضح ينص على تسوية نهائية لوضعيتهم، سواء من حيث احتساب سنوات العمل ضمن الأقدمية العامة، أو من خلال إدماجهم في الصندوق المغربي للتقاعد (CMR) بعد استكمال تسويتهم مع النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR).
مرت سنة ونصف على الاتفاق، لكن العرضيين ما زالوا في منطقة الانتظار. بعضهم تم تسوية ملفه جزئيا في rcar ، وآخرون ما زالوا خارج أي عملية ، والبعض الثالث خطفه الموت قبل أن تنصفه الدولة التي خدمها في عز الخصاص، وفي ظروف غالبا ما كانت قاسية، في العالم القروي الجبلي منرسلاسل جبال الريف شمالا الى سلاسل الأطلس الصغير جنوبا.
القضية لم تعد مطلبية فحسب، بل صارت إنسانية بامتياز. فهؤلاء لم يطالبوا بامتيازات، بل برد جزء من الجميل، واعتراف عملي بخدمتهم في سنوات كانت فيها المدرسة العمومية بأمس الحاجة إليهم. ومع ذلك، لا يزالون يؤدون ثمن المماطلة والتأجيل، في وقت أصبحت فيه كرامتهم، وحقوق ذويهم، مرهونة بإرادة إدارية لا تلتقط إشارات الإنصاف.
هل من المقبول أن يظل رجل تعليم أفنى عمره في القرى والجبال بتقاعد هزيل لا يسد حتى الحاجات الأساسية للحياة ويكرس الفقر الهشاشة ،ولا أقدمية، ولا حتى اعتراف رسمي مكتمل؟ وهل من المقبول أن نغرق في الشعارات حول إصلاح المنظومة بينما من ساهم في تعميم التمدرس يترك على هامش الإصلاح؟
الكرة اليوم في ملعب وزارة التربية الوطنية، لتترجم التزاماتها إلى قرارات فعلية. لا نريد خطابات، بل توقيعات. لا نريد وعودا، بل تسويات. لأن المعلم العرضي لم يعد ينتظر كثيرا فالموت لا ينتظر.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بملف إداري عالق، بل بحكايات بشرية من لحم ودم، لأشخاص خدموا المدرسة العمومية بإخلاص حين كانت في أمس الحاجة إليهم. تسوية وضعيتهم ليست منة، بل واجب وطني وأخلاقي. وكل تأخير في إنصافهم هو إطالة لألمهم، ومساس بثقة من تبقى منهم في قدرة الوطن على رد الجميل. فليكن الحسم في هذا الملف عنوانا لدولة تتصالح مع ذاكرتها التربوية، وتعيد الاعتبار لمن حملوا رسالة التعليم في صمت، ورحل بعضهم دون أن يسمع كلمة شكرا.