مقبرة باب أغمات إستدامة المكتسبات بين القانون والتنظيم والمجتمع المدني.

تعيش مقبرة باب أغمات بمراكش مرحلة جديدة من تاريخها بعد سنوات من الإهمال الذي إنعكس سلبا على حرمتها ، وذلك بفضل تدخلات حاسمة لكل من ولاية جهة مراكش آسفي وولاية أمن مراكش، إلى جانب إنخراط المجتمع المدني من خلال الجمعية المغربية تاسع مارس للخيار الديمقراطي برئاسة الفاعل الجمعوي هشام الجلاد، إضافة إلى المساهمة الميدانية المهمة لشركة أرما المفوض لها تدبير قطاع النظافة بالمدينة.
وقد أسهم هذا التفاعل بين السلطات العمومية والمجتمع المدني والقطاع الخاص في إرساء مقاربة شمولية جعلت المقبرة أكثر تنظيما وإحتراما لقدسيتها ورمزيتها الدينية والتاريخية هذه الأيام ، بإعتبارها جزءا أصيلا من ذاكرة مراكش الجماعية ونسيجها الحضري .

وقد لعبت ولاية جهة مراكش آسفي دورا محوريا في توفير الإمكانيات البشرية واللوجستية اللازمة لتأهيل نظافة المقبرة ، خاصة عبر دعم برنامج أوراش الذي إستفادت منه الجمعية المغربية تاسع مارس لمدة أربعة أشهر سابقا ، ورغم أن هذه الفترة سمحت بإنجاز عمليات تنظيف شاملة وإزالة النفايات ، إلا أن حجم العمل المطلوب والتحديات المتراكمة عبر السنوات يفرضان ضرورة تجديد البرنامج لفترات أطول ، فاستمرارية هذه الجهود تمثل الضمانة الحقيقية للحفاظ على المكتسبات وتعزيز الشراكة مع الجمعية ذاتها التي أثبتت كفاءتها الميدانية في حماية هذا الفضاء وصيانة رمزيته .

وبالتوازي مع هذه المجهودات، قامت ولاية أمن مراكش بدور أساسي هذه الأيام تحت إشراف مباشر من السيد رئيس المنطقة الأمنية الثانية و السيد والي أمن مراكش في إعادة فرض النظام داخل المقبرة ومحيطها ، حيث واجهت السلطات الأمنية بحزم مظاهر الفوضى التي كانت تسيء لقدسية المكان ، وفي مقدمتها ظاهرة التسول والتي شكلت مصدر إزعاج دائم للزوار .

وقد عبر الفاعل الجمعوي هشام الجلاد عن تقديره العميق للمصالح الأمنية على تدخلاتها النوعية ومجهوداتها الاستثنائية في حماية المقبرة وتأمين فضائها، مؤكدا أن التواجد الأمني المنتظم يشكل ضمانة قانونية وموضوعية لاستدامة النظام والحفاظ على الاحترام داخل المقبرة، وفي هذا الإطار طالب الجلاد بتفعيل أحكام قانون اعتراض السبيل فيما يخص ظاهرة التسول داخل المقبرة، ولاسيما المتسولات اللواتي قد يعيقن حرية الزوار أو يخللن بالنظام العام، معتبرا أن التطبيق الصارم لهذه النصوص القانونية يعد ركيزة أساسية لحماية حرمة المكان وضمان سلامة الزائرين.

ورغم هذه الإنجازات الميدانية، تبقى الحاجة ملحة إلى تعزيز دور حراس المقبرة من خلال دعمهم ومنحهم الصلاحيات القانونية الكافية لمنع أي ممارسات غير لائقة مستقبلا ، بما في ذلك الحد من دخول المتسولين للمقبرة ، فتمكين الحراس من أداء دورهم بشكل فعال يشكل خطوة استراتيجية في تثبيت المكتسبات وتعزيز الشعور بالأمن والأمان والاحترام لهذا الفضاء ونظافته .

فالجهود الميدانية التي تقوم بها شركة أرما، المفوض لها تدبير قطاع النظافة بمراكش كبيرة ، والتي رافقت عمليات التأهيل بتوفير الوسائل والإمكانيات اللازمة لإنجاح أشغال جمع النفايات وصيانة محيط المقبرة يعزز دعم البنية و يعكس مقاربة شمولية تحفظ قدسية المقبرة وتكرس مسؤولية جماعية في صون رمزيتها الدينية والتاريخية..

وقد أكد الفاعل السياسي والباحث الأكاديمي الأستاذ خليفة الشحيمي على ضرورة تبني رؤية متكاملة لإدارة المقابر، رؤية تتجاوز بعدها البيئي لتشمل الأبعاد الأمنية والاجتماعية والروحية، معتبرا أن حماية المقابر ليست فقط مسألة نظافة أو تنظيم بل قضية كرامة جماعية تستدعي إنخراطا مسؤولا من جميع الفاعلين لضمان قدسية هذه الفضاءات وصون مكانتها في الذاكرة المشتركة للمدينة.

إن ما تحقق اليوم في مقبرة باب أغمات يمثل نموذجا حيا لتكامل الجهود بين السلطات العمومية والمجتمع المدني والقطاع الخاص في صيانة الذاكرة الجماعية وحماية القيم الروحية، لكنه في الوقت نفسه يفتح النقاش حول ضرورة اعتماد آليات مؤسسية مستدامة تضمن ديمومة المكتسبات، وفي مقدمتها تجديد برنامج أوراش وإعطاؤه بعدا إستراتيجيا يوازي حساسية الفضاءات المعنية كما أن منح الحراس الصلاحيات الكافية وتعزيز الحضور الأمني بشكل دائم سيضمن خلو المقبرة من أي مظاهر سلبية مستقبلا، بما يجعلها فضاء منظما يليق بكرامة الموتى ويحترم مشاعر الأحياء ويعكس في الآن ذاته قدرة مراكش على حماية هويتها الروحية وذاكرتها التاريخية .

Comments (0)
Add Comment