معركة وادي المخازن.. ملحمة خالدة في مسيرة الكفاح البطولي لإعلاء راية الإسلام والدفاع عن الثوابت الوطنية والمقومات التاريخية والحضارية

يخلد الشعب المغربي، ومعه أسرة المقاومة وجيش التحرير، بعد غد الجمعة، الذكرى 439 لمعركة وادي المخازن المجيدة، التي جسدت ملحمة خالدة في مسيرة الكفاح البطولي الذي خاضه الشعب المغربي إعلاء لراية الإسلام ودفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية والمقومات التاريخية والحضارية.

ووقعت معركة وادي المخازن في ظروف إقليمية ودولية دقيقة تميزت بدخول العثمانيين في سلسلة من المواجهات العسكرية مع القوى الاستعمارية الأوروبية، وتنامي الأطماع الأجنبية في التحكم في أوضاع الشمال الإفريقي، لاسيما الدولة المغربية، وذلك بهدف استغلال المراسي والموانئ الأطلسية ومرسى العرائش بوجه خاص.

وذكر بلاغ للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير أن مرسى العرائش شكل الذريعة التي استخدمها البرتغاليون لتبرير حملتهم العسكرية على المغرب، بدعوى أن الأتراك كانوا عازمين على احتلاله مهما كان الثمن، في حين أن أحد المؤرخين الإسبان علق على أهمية ميناء العرائش بأنه يعادل سائر الموانئ المغربية.

وفي حمأة الأطماع الخارجية على المغرب، يضيف البلاغ، نهج السلطان عبد المالك السعدي خطا استراتيجيا متوازنا بذكائه المتقد وبحنكته السياسية وفهمه الدقيق للظرفية الوطنية ولنوايا الأطراف الأوروبية ومعرفته الصائبة بمخططات القوى الدولية العظمى في منتصف القرن السادس عشر، مسجلا أن المغرب استطاع الحفاظ على استقلاله وسيادته، غير أن ملك البرتغال ركب أطماعه مغامرا في حملة عدوانية غير محسوبة العواقب لبسط نفوذه والهيمنة على الكيان المغربي الحر المستقل والقوي.

واستعان السلطان عبد المالك السعدي في الإعداد للمعركة بإدراكه وبحسه السياسي، وفطن منذ البداية لأهمية عامل الزمن بالنسبة للمغاربة. وهكذا، نجده يكاتب “دون سبستيان” ويعرض عليه السلام والتفاوض لربح الوقت والاستعداد للمواجهة المحتملة.

وعندما تحرك “دون سبستيان” ووصلت جيوشه إلى منطقة طنجة أصيلة، كاتبه السلطان عبد المالك السعدي بغير أسلوبه العادي، وبما يؤدي إلى جر جيوش “دون سبستيان” إلى معترك اختاره عبد المالك بكل عناية، ألا وهو سهل وادي المخازن. ومما جاء في رسالته الموجهة إليه “إن سطوتك قد ظهرت في خروجك من أرضك وجوازك العدوة، فإن تبثت إلى أن نقدم عليك، فأنت نصراني حقيقي شجاع …”.

وسجل البلاغ أن بعض المؤرخين أوردوا أيضا قول عبد المالك السعدي ” إني رحلت إليك ست عشرة رحلة، أما ترحل إلي واحدة!”، مضيفا أن السلطان عبد المالك السعدي استطاع فعلا أن يجر الجيش البرتغالي إلى سهل وادي المخازن، مما كان له أكبر الأثر في تحديد مصير المعركة قبل أن تقع.

وأشار إلى أن القوات البرتغالية التي عبرت إلى المغرب كانت تضم أسطولا يفوق عدد وحداته 500 قطعة بحرية تقل على متنها جيشا نظاميا وكثيرا من المرتزقة، والحشود الحليفة الداعمة، فضلا عن وضع الملك الإسباني رهن إشارة ملك البرتغال وحدات بحرية أخرى انضمت إلى الجيش البرتغالي، مبرزا أنه لما بدأت الجيوش الغازية تتوغل شيئا فشيئا بعيدا عن ميناء العرائش، برهن المغاربة عن ذكائهم عندما استدرجوا الجنود وتركوهم يتسربون إلى أن عبروا وادي المخازن واستقروا في السهل الموجود على يمين نهر اللكوس.

وفي يوم الاثنين 4 غشت من سنة 1578، دارت معركة حامية الوطيس بوادي المخازن في منطقة السواكن بعد أن حطم المغاربة جسر النهر للحيلولة دون تراجع القوات الغازية نحو ميناء العرائش، ومني البرتغاليون بخسارة جسيمة حيث قتل ملكهم، والملك المخلوع محمد المتوكل، كما توفي السلطان عبد المالك السعدي إبان المعركة بسبب تسمم تعرض له من الأعداء.

وأخفى خلفه، السلطان أحمد المنصور الذهبي، نبأ وفاته ليواصل تدبير وقيادة المعركة التي اصطلح على تسميتها بمعركة الملوك الثلاثة والتي أكسبت المغرب مجدا تليدا، وحقق فيها المغاربة نصرا مبينا زاد من هيبة المغرب ومكانته في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، كما أنها ظلت مبعث عز وشرف له كدار للإسلام والسلام والأمن وكيان وطني مهاب الجانب يحتمي به المسلمون كافة ويحظى بتقدير واحترام سائر أقطار المعمور.

وأكدت المندوبية أن أسرة المقاومة وجيش التحرير، وهي تخلد هذه الذكرى المجيدة وتحتفي بأبطالها ورموزها الأفذاذ، لتتوخى استلهام الدروس والعبر من الأبعاد الرمزية والدلالات العميقة لهذا الحدث الوطني الشامخ الذي ما أحوج الناشئة والأجيال الجديدة إلى استيعاب مضامينه ودلالاته حتى تتربى وتشب على القيم الوطنية النبيلة، وتتشبع بفضائل المواطنة الايجابية والسلوك المدني القويم، لأن في ذلك تحصينا للناشئة وتمنيعا لها من انعكاسات التحديات والتداعيات التي يشهدها العالم اليوم أكثر مما مضى، والتي تهدد كيان الشعوب وتحيق بموروثها الحضاري والثقافي والنضالي والقيمي.

وأبرزت أنها تغتنم هذه المناسبة الخالدة لاستحضار “قضيتنا الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية المقدسة للتأكيد على تعبئتها المستمرة ويقظتها الموصولة كسائر فئات وأطياف المجتمع المغربي، والإجماع الوطني وراء قائد البلاد المفدى جلالة الملك محمد السادس حفظه الله من أجل صيانة وحدتنا الترابية وتثبيت مكاسبنا الوطنية”.

و”قد حقق ملف قضيتنا الوطنية والحمد لله”، تضيف المندوبية، انتصارا جديدا في منظمة الأمم المتحدة، بعد القرار الصادر عن مجلس الأمن والذي أشاد بالمقترح المغربي للحكم الذاتي الموسع للأقاليم الجنوبية في إطار السيادة الوطنية، وأكد على انسحاب فلول الانفصاليين من نقطة الكركرات، وألح لسادس مرة على إجراء إحصاء للمحتجزين بالمخيمات بتندوف.

وأشارت إلى أن المناسبة سانحة كذلك للإشادة بالانتصار الباهر والمستحق، الذي حققته المملكة في القمة ال 28 للاتحاد الافريقي والتي التأمت بالعاصمة الاثيوبية أديس أبابا، بالعودة المظفرة للمغرب إلى مكانه الطبيعي في أسرته الإفريقية، مشددة على أن هذا الحدث يعد ثمرة الجهود الجبارة والمساعي الحثيثة لجلالة الملك محمد السادس الذي جاء خطابه التاريخي بمؤتمر القمة بليغا وصريحا وقويا، وشكل خارطة طريق للرؤية التنموية للمغرب بإفريقيا.

وسجل المصدر ذاته أن الزيارات الملكية العديدة والمتتالية والمستمرة للقارة الإفريقية تبرهن على أن المغرب حاضر بقوة وشموخ في محيطه القاري ومتمدد في عمقه الإفريقي، تجمعه به أواصر دينية وروحية وتاريخية وإرادة راسخة لتقوية التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبشري والبيئي.

وأضاف أنه من الثابت تاريخيا، أن المغرب من الرواد الأوائل لبناء المشروع الإفريقي منذ مبادرته إلى عقد اجتماع المجموعة الإفريقية “مجموعة الدار البيضاء” الذي دعا له جلالـة المغفور له محمد الخامس في سنة 1960، وإلى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية قبل الاتحاد الإفريقي.

وأوضحت المندوبية أن جلالة الملك محمد السادس أكد على هذا التوجه الإفريقي في الرسالة الملكية الموجهة للمشاركين في الدورة الرابعة لمنتدى “كرانس مونتانا” الذي احتضنته مدينة الداخلة من 16 إلى 21 مارس الماضي والمنظم تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس.

وخلص البلاغ إلى أن أسرة المقاومة وجيش التحرير، وهي تخلد ذكرى معركة وادي المخازن المجيدة، لتتوخى استحضار بطولات ملحمة التحرير والوحدة، والإشادة بأمجادها وروائعها ورموزها وأبطالها وتنوير أذهان الناشئة والأجيال الجديدة بدروسها وعبرها تحصينا لها في مسيرات المغرب الظافرة، دفاعا عن مقدساته الدينية وثوابته الوطنية ومقوماته التاريخية والحضارية، وتطلعا إلى إنجاز المشروع المجتمعي الحداثي والديمقراطي والنهضوي والتنموي الذي يقوده ويرعاه جلالة الملك، بعزم واقتدار وبعد نظر لمواصلة إعلاء صروح الوطن القوي والمتقدم والمعتز بأمجاده التاريخية وروائعه النضالية.

Comments (0)
Add Comment