مشهد عابر لكنه يقول الكثير

م.س : بيان مراكش

قد تمر بعض اللحظات في الحياة اليومية دون أن ينتبه لها أحد، لكنها تختزن من الدلالات ما لا تحمله الخطب الرسمية ولا البلاغات ، من هذه اللحظات ذلك الحوار البسيط الذي دار بين رجل مسن من نواحي العرائش ومسؤول كبير في الوقاية المدنية.
قال العجوز، بعفوية المغاربة التي لا تخطئ:
السلام عليكم… فين ماشي؟
فأجابه المسؤول بقناعة هادئة:
ماشي لعندكوم.
لم يحتج العجوز إلى مزيد من الكلام، فانقض عليه بالقبل والدعوات.
إنتهى المشهد هنا، لكنه في الحقيقة بدأ من حيث إنتهت الكلمات.
ما حدث لم يكن تصرفا بروتوكوليا ولا حركة عابرة بلا معنى، بل كان مشهدا مكثفا تختصر فيه علاقة المجتمع بالسلطة حين تكون هذه الأخيرة متصالحة مع قيم الناس ، مسؤول سام في جهاز حساس، يفترض فيه الصرامة والإنضباط، ينحني ليقبل يد رجل عجوز ، لا لأنه ضعيف، بل لأنه قوي بما يكفي ليكون متواضعا .

في هذا المشهد لم تكن الرتبة هي الأعلى، بل السن و الإحترام والتقدير ، ولم يكن المنصب هو مصدر الهيبة، بل الإحترام المتبادل.
هذا هو أدب المغاربة مع الكبار، أدب لا يحتاج إلى قوانين مكتوبة ولا إلى حملات تحسيسية ، هو سلوك متجذر في الذاكرة الجماعية، حيث ينظر إلى الشيخ بإعتباره ذاكرة حية، وبركة عابرة، وشاهدا على زمن سابق ، وحين يعبر رجل مسن عن إمتنانه بالدعاء، فإن ذلك ليس مجاملة، بل إعترافا صادقا بالقيمة.

هذا المسؤول في تلك اللحظة، لم يكن يمثل مؤسسة فقط، بل مثل الدولة المغربية القريبة من الناس، هذه الدولة الشريفة، التي لا ترى في المواطن رقما ولا في الكبير عبئا … أما العجوز، فلم يكن مجرد فرد، بل كان صورة للمجتمع حين يقابل الإحترام بالحب، والإنسانية بالعرفان.

في زمن يكثر فيه الصراخ، وتختزل فيه المسؤولية في المظاهر، يذكرنا هذا المشهد بأن القوة الحقيقية ليست في فرض الهيبة، بل في كسب الإحترام ، وأن المسؤول مهما علا موقعه، لا يخسر شيئا حين ينحني للأخلاق، بل يربح كل شيء.

قد لا تنقل مثل هذه اللحظات في نشرات الأخبار، لكنها تبقى في الذاكرة أطول من أي خطاب ، لأنها تذكرنا ببساطة أن المجتمع، حين يلتقي فيه الواجب بالإنسانية، ينتج مشاهد صغيرة… لكنها عظيمة في معناها.

Comments (0)
Add Comment