مراكش: حين تنقذ الرؤية الملكية ما فشل فيه التدبير المحلي

بقلم : رشيد زلاغ

لم تعد مدينة مراكش في حاجة إلى خطابات تبريرية أو تسويق سياسي مكرر، بل إلى تسمية الأشياء بمسمياتها. فاليوم تتضح، أكثر من أي وقت مضى، حقيقة لا تقبل الالتفاف: الرؤية الملكية واضحة ومحددة، بينما التعثر محلي ومزمن ولا مبرر له.

لقد برهنت الدولة، مرة أخرى، أن الإنجاز ممكن متى توفرت الصرامة في التتبع، والحكامة في التنفيذ، وربط المسؤولية بالنتائج. ويكفي استحضار إنجاز النفق تحت أرضي بطريق آسفي–مراكش في ظرف قياسي، تحت إشراف شركة مراكش موبيليتي برئاسة السيد والي جهة مراكش–آسفي، كنموذج مؤسساتي ناجح يفضح أعذار الفشل التي ترفعها بعض المجالس المنتخبة. وهنا يتأكد أن الإشكال ليس في التمويل ولا في البرامج، بل في ضعف الكفاءة وغياب الإرادة السياسية المحلية.

ويُسجَّل في السياق نفسه نجاح تهيئة المدخل الرئيسي لمدينة مراكش من جهة طريق الدار البيضاء، إلى جانب إعادة تأهيل محيط الملعب الكبير، وهو ورش استراتيجي أُنجز بمستوى عالٍ من الجودة والدقة والجمالية الحضرية، تحت إشراف شركة مراكش موبيليتي، التي يترأس مجلس إدارتها السيد والي جهة مراكش–آسفي، عامل عمالة مراكش. وقد أسهم هذا المشروع في تنظيم حركة السير، وتحسين الولوجيات، وتحديد المدخل الحضري للمدينة بطريقة راقية تعكس مكانة مراكش كحاضرة وطنية ووجهة دولية، خاصة في أفق احتضان تظاهرات قارية وعالمية. ويأتي ذلك متكاملًا مع ورش تجديد أسطول النقل الحضري وشبه الحضري تحت إشراف وزارة الداخلية، في خطوة تروم تحسين جودة الخدمة والاعتناء بمستعملي النقل العمومي.

ورغم وجود مشاريع ملكية كبرى ذات بعد استراتيجي واضح، من قبيل برنامج مراكش الحاضرة المتجددة، الذي أعطى انطلاقته صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله سنة 2014، والذي لا تزال بعض أوراشه الكبرى لم تكتمل بعد، إضافة إلى إعادة تهيئة ساحة جامع الفنا، وتأهيل المدينة العتيقة والمسارات السياحية والروحية، فإن التنزيل المحلي ظل بطيئًا، مرتبكًا، ومفتقرًا للنجاعة. والأسوأ أن بعض هذه الأوراش تحولت إلى عبء يومي على الساكنة بدل أن تكون رافعة حقيقية للتنمية.

والأكثر لفتًا للانتباه هو استمرار التعثر والارتجالية في تنزيل مشاريع مهيكلة، مثل شارع علال الفاسي وشارع آسفي–مولاي عبد الله، المدرجين ضمن اتفاقيات مؤتمر كوب 22 خلال الولاية السابقة، وهو ما فاقم معاناة التجار والساكنة على حد سواء، دون توضيحات مقنعة أو محاسبة واضحة. وهنا يظهر الفرق جليًا بين تنزيل مؤسساتي منضبط، وتدبير محلي مرتبك يفتقد للرؤية والجدية.

كما أن ملف السكن غير اللائق، الذي يمس جوهر كرامة الإنسان ويقوض أسس التنمية الحضرية، ما يزال خارج دائرة الأولويات، في ظل غياب تنسيق فعلي بين رئاسة المجلس الجماعي ووزارة إعداد التراب الوطني والإسكان، وكأن كرامة المواطن شأن ثانوي لا يستحق الاستعجال.

وفي خضم هذا الفشل، يختار بعض الفاعلين السياسيين الطريق الأسهل: الاختباء خلف المشاريع الملكية وتبني إنجازات لم يخططوا لها ولم ينفذوها، بعد العجز عن تنزيل برامجهم المحلية وتدبير صفقاتهم وتتبع مشاريعهم الجماعية. غير أن المشاريع الملكية ليست غطاءً للفشل، ولا صك براءة من المسؤولية السياسية.

المواطن المراكشي اليوم لم يعد ساذجًا؛ هو يرى، يقارن، ويحكم. ويعي جيدًا أن التنمية لا تُقاس بالصور ولا بالشعارات، بل بالإنجاز، بالسرعة، وبالاحترام اليومي لكرامته.

مراكش أكبر من الحسابات الضيقة…
ومادامت تُبنى برؤية ملكية صارمة، فإنها تستحق تدبيرًا محليًا يُحاسَب ولا يُجامل.

Comments (0)
Add Comment