✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
تعيش مدينة مراكش، خلال الآونة الأخيرة، على صفيح ساخن، بفعل عمليات إحصاء وٱستعدادات لهدم عدد من البيوت والأحياء، وصفت بأنها (عشوائية!)، في ظل غياب أي تواصل رسمي واضح يشرح الخلفيات، أو يطمئن الساكنة، أو يضع الرأي العام أمام حقيقة ما يجري!!
وهو ما خلق حالة من السخط والإحتقان الإجتماعي، ترجمت إلى ٱحتجاجات وتساؤلات مشروعة، لا تجد إلى اليوم جوابا مؤسساتيا مسؤولا.
إن ما يحدث اليوم لا يمكن ٱختزاله في كونه إجراءا تقنيا أو تدبيرا عمرانيا عاديا، بل هو مؤشر خطير على أزمة عميقة في التواصل والحكامة. فالدولة، عندما تقدم على إحصاء المساكن أو التحضير للهدم، تكون بصدد ٱتخاذ قرارات تمس جوهر حياة المواطنين (السكن، والإستقرار الأسري، والدراسة، والعمل، والكرامة الإنسانية…)، ومع ذلك يترك المواطن وحيدا في مواجهة الغموض، تتقاذفه الإشاعة والخوف، بدل أن يخاطب بلغة الوضوح والإحترام.
إن أبسط قواعد التدبير الرشيد تفرض أن ترفق أي عملية إحصاء بشرح صريح لأسبابها، وبرنامج تعميري معلن، وآجال زمنية محددة، وضمانات قانونية وٱجتماعية واضحة، وبدائل سكنية تحفظ كرامة الأسر المعنية، حينها فقط يمكن الحديث عن إصلاح عمراني مقبول، لا عن صدمة جماعية تنفذ في صمت، وفي توقيت ٱجتماعي قاتل!!!
في عز البرد والشتاء، ووسط الموسم الدراسي، والأخطر من كل ذلك، أن ما يجري يشكل خرقا صريحا للحق في الحصول على المعلومة، وهو حق دستوري لا يقبل التأويل أو التجزيء.
فالفصل 27 من الدستور المغربي ينص بوضوح على أن:
«للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة…»
كما جاء القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات ليؤكد أن «الإدارات العمومية والجماعات الترابية ملزمة بتمكين المواطنين من المعلومات المرتبطة بتدبير الشأن العام، خاصة تلك التي تمس حقوقهم ومصيرهم بشكل مباشر».
وبالتالي، فإن الصمت الإداري، أو الإكتفاء بإجراءات ميدانية دون توضيح، لا يعد فقط سوء تدبير، بل مخالفة قانونية واضحة.
لكن الواقع يظهر أن المواطن لم يعد يعامل بوصفه شريكا في القرار، بل رقما في دفاتر الإدارة!
رقم لا يسأل رأيه…
رقم لا يشرح له ما ينتظره…
رقم يمكن ترحيله إلى أجل غير مسمى…
رقم يستدعى عند الحاجة لرفع الرايات الوطنية، أو ملء الملاعب، أو التوجه إلى صناديق الإقتراع، أو أداء الضرائب…
ثم يقصى تماما عندما يتعلق الأمر بحقه في المعرفة والقرار!!وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
– هل ما زال المغاربة مواطنين كاملين الحقوق؟
– أم أن المواطنة ٱختزلت في بطاقة تعريف وطنية فقط؟
إن أخطر ما يهدد السلم الإجتماعي ليس الهدم في حد ذاته، بل الهدم الصامت للثقة بين المواطن والمؤسسات. فالتعمير لا يدار بالجرافات… بل بالحوار، والشفافية، والإحترام المتبادل.
والمدن لا تبنى بالإسمنت فقط، بل بإشراك الإنسان الذي يسكنها، ويصنع روحها، ويمنحها الإستقرار.
ما يقع اليوم في مراكش يكشف بوضوح محدودية الأداء الحكومي، وضعف المنتخبين المحليين، وغياب دور البرلمان في الرقابة وحماية الحقوق، في ظل هيمنة منطق القرار الفوقي، وتهميش المواطن بٱعتباره الحلقة الأضعف.
إن ٱحترام القانون يبدأ من ٱحترام حق المواطن في أن يعرف:
– لماذا يحصى؟
– ماذا سيهدم؟
– متى؟
– وبأي تعويض؟
– وأين البديل؟
دون ذلك، سنظل ندور في حلقة العبث نفسها، وسنستمر في طرح السؤال المؤلم ذاته، بصيغ مختلفة ولكن بجوهر واحد:
– هل نحن مواطنون بحق… أم مجرد أرقام خارج المعادلة؟
صدقا… لك الله يا مغربي.