محطة الطين بفاس.. الشفافية على الطريقة المغربية.

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في بلاد العجائب ، أو ما يشبهها… لا شيء يثير الدهشة أكثر من مسؤول يوقع ٱتفاقية بصفته رئيسا لجهة ، ثم يمدّ يده الأخرى ويوقّعها بصفته مستفيذا من نفس الجهة! ، وكأننا أمام بطل خارق ، يتقمص دور الحكم والخصم ، بل ويصفق لنفسه بحرارة ، وكأن على رؤوسنا الطين لا الماء.

 

ها هي غرفة «الصناعة التقليدية» بجهة فاس-مكناس تعتقد بكل ثقة ، أنها فوق كل الشبهات ، فتمنح توقيعها الكريم لمشروع «محطة الطين» ببنجليق ، الذي تبلغ قيمته 2 مليار سنتيم ، دون أن يرفّ لها جفن وهي ترى رئيس الغرفة يوقع بٱسم الغرفة ، ثم يوقع بٱسم التعاونية المستفيدة ، وهي تعاونية (بنجليق للزليج الفاسي) ، التي يرأسها سيادته كذلك!!

سبحان من جمع الألقاب والمصالح في رجل واحد!!!

 

المشروع الذي يفترض أن ينقذ صناعة الطين والزليج من تلوث البيئة ، يبدو أنه غرق قبل أن يولد في وحل تضارب المصالح.

– كيف لعاقل أن يهضم أن الشخص ذاته يجلس على كرسي المانح وكرسي المستفيد في الوقت نفسه ، ثم يحدثنا عن الشفافية والحكامة؟

 

ربما علينا أن نمنحه وساما جديدا تحت إسم (رائد التوقيع المزدوج) ، وهو ٱختراع مغربي أصيل لا نجده إلا في وطن الٱستثناءات.

 

والأدهى والأمرّ أن صاحبنا (رئيس التعاونية) لم يبتكر هذه الحيلة من فراغ ، بل سار على درب من هم أكبر منه منصبا ، تأسّيا — يا للعجب — برئيس الحكومة نفسه ، الذي لم ير بأسا أن يجمع بين السلطة والثروة ويظل متربعا على عرش تضارب المصالح دون أن يرفّ له جفن.

– ألم يضرب رئيس الحكومة المثل الصارخ حين ظل يزاوج بين منصبه التنفيذي ومصالح شركات المحروقات ، التي ٱستفادت من تحرير الأسعار؟

– فكيف نلوم صغار المسؤولين إن رأوا فيه قدوة؟!

 

ولمن نسي أو تناسى ، فإن «الدستور المغربي» صريح في فصله 36 حين ✓يقول:

«يعاقب القانون على المخالفات المتعلقة بتضارب المصالح ، وٱستغلال النفوذ ، والرشوة ، وكل أشكال الفساد…».

 

✓وكذلك القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات ، المادة 65 ، التي تؤكد مايلي:

«يمنع على أي عضو من أعضاء المجلس الجماعي أن يربط مصالح خاصة ، مباشرة أو غير مباشرة ، مع الجماعة…».

 

✓أما القانون رقم 31.13 بشأن الحق في الحصول على المعلومات ، المادة 15 ، فيوضح الآتي:

«يُعتبر في حالة تضارب المصالح ، كل شخص في موقع مسؤولية له مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في موضوع القرار».

 

وزيادة على ذلك ، الميثاق الوطني للاتمركز الإداري ، المادة 6 ، ينص بوضوح على أن:

«تحترم مبادئ الشفافية ، وتُمنع ٱزدواجية المهام إذا كانت تمس بتجرد القرار العمومي».

 

لكن يبدو أن صاحبنا ٱكتفى بتعليق هذه النصوص في مكاتب مزخرفة ، دون أن يكلف نفسه قراءة مضمونها ، مادام في (محطة الطين) حرية توقيع مطلقة ، يمد بها يده هنا وهناك ، ويخرج في آخر العرض بطلا مرفوع الهامة ، كأن لا شيء يحدث.

 

لكن ، الطريف أن الإتفاقية مرّت مرور الكرام ، وبحضور خمسة أطراف رسمية ، كأن الجميع مسح نظارته وتناسى السؤال البسيط:

– هل يعقل أن يدير المسؤول نفسه ، ويمنح لنفسه تمويلا سخيا تحت لافتة البيئة؟

لعل الطين الذي يعالجونه هناك ، بحاجة أولا إلى معالجة في الضمائر قبل معامل التصفية.

 

الفعاليات المحلية التي دقت ناقوس الخطر ، ٱستنجدت ب«رئيس النيابة العامة» و«وزير الداخلية» و«المجلس الأعلى للحسابات» ، علّ أحدهم ينقذ ماء وجه المشروعية.

أما المواطن العادي ، فربما سيضحك بمرارة:

– إذا كان رئيس الغرفة رئيسًا للتعاونية ، فلمن نشكو؟

– هل يرفع المواطن عريضة إلى رئيسه ضد نفسه؟

 

إننا بحق أمام مسرحية كوميدية بطابع تراجيدي: (مسؤول يوزع الأدوار على نفسه ، ويتقمص البطولة والإنتاج والإخراج في آن واحد!). مشروع محطة الطين صار عبرة لمن يعتبر ، ورسالة لمن يعتقد أن الزمن تغيّر ، بعض العقليات لم تغادر القرون الوسطى بعد ، فقط ٱستبدلت الخيمة بالصالون المكيّف ، والمداد بقلم ذهبي يوقّع مرتين بلا حياء!

 

فلعل الجهات الرقابية ، لو كانت يقظة ، تلتقط هذا العبث قبل أن يغرق المشروع في طين الفساد ، ويغدو شاهدا آخر على أن محاربة تضارب المصالح عندنا مجرد شعار جميل ، نردده عند الخطابات الرسمية ، ثم ندفنه تحت أول مصلحة شخصية تمر من هنا.

حقا ، صدق من قال:

«إذا كنت في المغرب.. فلا تستغرب».

Comments (0)
Add Comment